فضيحة بحيرة بوبو ببن سليمان: من سمح بالبناء فوق منطقة فيضية؟

ليست قضية “ضاية بوبو” في بن سليمان مجرد حادث عمراني عابر أو نتيجة تساقطات مطرية استثنائية، بل هي مرآة مكثفة لاختلالات عميقة في منظومة التعمير وتدبير المجال الترابي. فالمكان الذي كان إلى وقت قريب بحيرة طبيعية تستقبل مياه الأمطار وتتحول إلى فضاء بيئي موسمي، عاد فجأة إلى طبيعته الأولى بعد الأمطار الأخيرة، ليكشف أن الإسمنت لا يستطيع إلغاء الجغرافيا، وأن الذاكرة البيئية للمجال أقوى من أي تصميم هندسي غير منسجم مع الطبيعة.
تحويل بحيرة موسمية إلى تجزئة سكنية لم يكن قراراً تقنياً بسيطاً، بل مساراً إدارياً كاملاً مر عبر مساطر ورخص وموافقات، وهو ما يجعل الحديث عن “ظروف غامضة” غير كافٍ لتفسير ما جرى. فكل مشروع تجزئة يخضع قانونياً لدراسة تقنية، ولمصادقة الجماعة الترابية، ولموافقة الوكالة الحضرية، ولمرور عبر اللجنة الإقليمية للتعمير، إضافة إلى رأي المصالح المختصة بالماء والبيئة. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط من سمح بالبناء، بل كيف مرت كل هذه المراحل دون أن يتم التنبيه إلى أن المنطقة كانت تاريخياً مجالاً لتجميع المياه ومعرضة للفيضانات.
القوانين المغربية في مجال التعمير ومنع البناء فوق المناطق الفيضية أو مجاري الوديان ليست نصوصاً شكلية، بل وضعت تحديداً لتفادي ما يحدث اليوم في بن سليمان. فالخطر لا يهدد فقط البنية التحتية، بل أرواح السكان الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بالمياه داخل شقق يفترض أنها بنيت في إطار قانوني سليم. عودة البحيرة بعد أول تساقطات مهمة تعني أن الطبيعة لم تُستشر في قرار التعمير، وأن منطق الربح العقاري ربما تغلب على منطق السلامة والانسجام البيئي.
الأمطار لم تخلق المشكلة، بل كشفتها. فهي أعادت رسم الحدود الطبيعية للمجال، وأظهرت أن ما تم تقديمه كمشروع تنموي تحول إلى بؤرة قلق وخوف لدى الساكنة. هنا يتحول النقاش من حادثة محلية إلى قضية حكامة: هل تم إنجاز دراسة للتأثير على البيئة؟ هل أُنجزت دراسة لمخاطر الفيضانات؟ هل كان تصميم التهيئة يعتبر المنطقة صالحة للبناء أصلاً؟ وإذا كانت البحيرة معروفة تاريخياً لدى السكان، فكيف تم محوها من الخرائط الإدارية؟
المسؤولية في مثل هذه الحالات لا تكون فردية فقط، بل مؤسساتية، لأن الرخص لا تُمنح شفهياً ولا تُنجز المشاريع في فراغ قانوني. لذلك فإن فتح تحقيق إداري وتقني مستقل لم يعد مطلباً سياسياً أو إعلامياً، بل ضرورة لحماية الثقة في مؤسسات التعمير وضمان عدم تكرار السيناريو نفسه في مدن أخرى. فحين يُسمح بالبناء فوق ذاكرة مائية للمجال، فإن الأمر لا يتعلق بسوء تقدير بسيط، بل باحتمال خلل في منظومة اتخاذ القرار.
قضية “ضاية بوبو” اليوم تضع سؤالاً أكبر أمام صناع القرار: هل التنمية العمرانية في المغرب تسير وفق رؤية بيئية مستدامة، أم أن منطق التجزئات السريعة يسبق أحياناً منطق التخطيط المتوازن؟ لأن ما حدث في بن سليمان قد يتكرر في أي مدينة إذا لم تُربط المسؤولية بالمحاسبة، وإذا لم يتم التعامل مع المجال الترابي باعتباره منظومة طبيعية قبل أن يكون وعاءً إسمنتياً.
الساكنة لا تطالب بأكثر من حقها في السكن الآمن، والدولة لا يمكنها أن تسمح بتكرار أخطاء تُكلف المواطن قلقاً وخسائر مادية، وقد تكلفه ما هو أخطر مستقبلاً. لذلك يبقى الحل الوحيد هو الشفافية الكاملة، ونشر نتائج أي تحقيق للرأي العام، وتحديد المسؤوليات بدقة، لأن الثقة في مؤسسات التعمير لا تُبنى بالتصريحات، بل بالمحاسبة.

