” كيف تُؤجّج الأزمة الدولية أوجاع المعيشة بالمغرب في رمضان

في رمضان، لا يكفّ المغاربة عن ملاحظة ذلك الخناق اليومي على الميزانية: سلّة غذائية تزداد ثقلاً كل سنة، أسعار لحوم وخضروات وسمك تنهش ما تبقى من راتب، وفي الوقت نفسه لا يجد الشباب سوى بطاقات الانتظار في طوابير الشغل أو المقاولة الوهمية.
هذا الإختناق في المعيشة لا ينبع من فراغ؛ بل من مزيج بين أزمات داخلية مزمنة (البطالة، هشاشة التشغيل، تهالك البنيات المائية، تراجع الإنتاج السمكي) وأزمات دولية متفجّرة (الحرب في المنطقة، ارتفاع أسعار النفط، توترات سلسلة التوريد).في قطاع الصيد، يُحرم جزء كبير من الأسر الفقيرة من السردين، ذلك الطعام “الشعبي” الذي كان لسنوات مصدر غذاء رخيصاً، بعد تراجُع المخزون واتجاه الأسعار إلى الارتفاع، بينما تتكاثر في المدن الكبرى الشبكات الوسيطة التي تستفيد من الفجوة بين المنتج والمستهلك.
وفي الفلاحة، يتأوّه المزارع تحت وطأة الجفاف، وعندما تأتي الأمطار المفاجئة تُهدر جزءاً كبيراً من مياهها في التسريب أو تصريفها إلى البحر، بينما تبقى السدود والقنوات غير مهيّأة للاستفادة منها، ما يرفع تكلفة الإنتاج ويفرض على السوق الاعتماد الأكبر على المواد المستوردة.نتيجة لهذا التداخل بين الأزمة الداخلية والخارجية، تعيش الأسر المحدودة الدخل نوعاً من “التهاب اجتماعي” في العيشة: راتب ثابت أو شبه ثابت، تضخم مستمر في السلة الغذائية، ومرحلة رمضان التي تُضاعف استهلاك الأسر، ما يحوّل شهر العبادة إلى اختبار مالي واجتماعي حقيقي.
في هذا المضمار، يصبح السؤال ليس فقط عن “من أين نأتي بالطعام؟”، بل عن “كيف نعيد بناء دولة الماء والشغل والكرامة؟”؛ ففي ظل كل هذه التحولات، يمكن أن يتحول رمضان من رهان معيشة إلى اختبار حقيقي للمسؤولية، سواء على مستوى السياسات العامة، أو على مستوى الوعي الجمعي الذي يرفض أن يُجَعَّل الفقر مادة للربح في سوق غير منظمة وغير محاسبة. قد تكون هذه الأزمة، رغم قسوتها، فرصة لفتح نقاش وطني حقيقي حول إصلاح الاقتصاد، إعادة ترتيب الأولويات، وبناء نموذج تنموي لا يُعاقِب الأجيال الهشة، بل يحميها من أول يوم في رمضان وحتى آخر يوم من السنة.
طه رشيد