“الطبقة المتوسطة… طبقة كانت هنا!”

الطبقة المتوسطة فالمغرب ما بقاتش كتعيش، ولات كتقاوم. وما بقاتش كتقاوم، ولات كتختفي. شي حاجة خايبة وقعات فصمت، بلا إعلان رسمي، بلا حداد، بلا حتى اعتراف. واحد النهار كنا كنسمعو فالنقاش العمومي على “الدعامة الأساسية للاقتصاد الوطني”، و”عمود الاستقرار الاجتماعي”، واليوم كنسمعو غير الصدى ديال كلمة: كانت هنا!
الطبقة المتوسطة ما ماتتش فجأة. ماتت شوية بشوية، قدام أعين الجميع. ملي ولى السكن أغلى من الراتب، وملي التعليم العمومي انهار وخلى الأسر مضطرة تمشي للقطاع الخاص، وملي العلاج ولى مشروع مالي، وملي المعيشة طلعات لدرجة ولات كتاكل نص الدخل بلا ما تشعر. كل مشكل صغير كان كيدوز، ولكن مجموع المشاكل خلق انهيار اجتماعي ما كانش فالحساب.
الموظف اللي كان كيحلم يشري دار، اليوم كيحلم غير يسالي الشهر. الأستاذ اللي كان كيدخّر شوية، اليوم كيخاف من فاتورة الماء والضو. الموظفة اللي كانت كتصيفط ولادها للمخيمات، اليوم كتحسب قبل ما تشري حليب. هاد الناس كانوا عماد الطبقة المتوسطة… الناس اللي الدولة بنات عليهم كل الشعارات ديالها. ولكن الواقع عطاهم صفعة:
أنكم ما بقيتوش متوسّطين…
بقيتوا فالهامش بلا ما تحسو.
المشكل ماشي غير فغلاء الأسعار، ولكن فغياب التوازن. الدخل واقف، والمصاريف كتجري. المواطن كيلقى راسو فمباراة غير متكافئة: كيجري بكرعين، والغلاء راكب فسيارة. كل صباح، كتزاد حاجة جديدة، وكتنقص حاجة أخرى. كتزاد التكاليف، وكتنقص القدرة. كتزاد الضرائب غير المباشرة، وكتنقص الخدمات اللي المفروض تكون “عمومية”.
ووسط هاد المنحنى، الطبقة المتوسطة لقات راسها كتزلق لأسفل بلا ما تلقى يد شدّها.
الطبقة المتوسطة هي اللي كانت كتقري ولادها، كتخلص الضرائب، كتستهلك، كتحرك السوق، كتسافر شوية، كتشري كتاب، كتدير عيد ميلاد بسيط، كتقصد المقاهي، كتخلي الاقتصاد يدور. ملي كتسقط هاد الطبقة، السوق كيوقف، الحركة كتجمد، والبلاد كتدوّخ. حيت الفقير ما عندو باش يحرك الاقتصاد، والغني ما كيساهمش فالدورة الحقيقية ديال السوق. اللي كان كيدير هاد الدور… اختفى.
اليوم، ملي كتسول الناس اللي كانوا فوسط السلم الاجتماعي، كيقولوليك جملة وحدة كتوجع: “رجعنا للفئة الهشة”.
تصور… واحد كيخدم، كيدفع الضرائب، كيقري ولادو، كيحترم القانون… وفالأخير كيلقى راسو بحال اللي ما خدمش نهائياً.
فين هي العدالة؟ فين هي الدولة الاجتماعية؟ فين هي السياسات اللي كتدّعي حماية المواطن؟
والمؤلم أكثر هو أن الدولة ما عطاتش حتى اعتراف رسمي بهذ الاختفاء. ما قالتش: “الطبقة المتوسطة في أزمة”. ما قالتش: “خاص خطّة إنقاذ مستعجلة”. ما قالتش حتى كلمة. وكأن الناس اللي كانوا كيبنيو البلاد، ما عندهمش قيمة إلا فالحملات الانتخابية.
الطبقة المتوسطة اليوم كتموت بصمت، ولكن ما كتموتش بلا أثر. ملي كتنهار هاد الفئة، كيطيح معها الأمل. ملي كتسقط، كيسقط الإيمان بالدولة. ملي كتتراجع، كيولي المجتمع مقسم بطريقة خطيرة: يا إما غنى فاحش… يا إما فقر خانق. وهادشي كيعني نظام غير مستقر، ومجتمع بلا توازن، واقتصاد ما عندوش المستقبل.
الحقيقة اللي خاصنا نقولوها بلا خوف:
الطبقة المتوسطة ماشي رفاهية…
الطبقة المتوسطة هي الوطن.
وطن بلا طبقة متوسطة…
هو وطن واقف على الأرض الطايحة، مهما كانت الزواقات الفوقانية.
اليوم، السؤال ما بقاش: “كيفاش نحافظو على الطبقة المتوسطة؟”
السؤال الحقيقي هو: كيفاش نرجعوها للحياة أصلاً؟
لأن الطبقة اللي كانت هنا…
غبرت.
وخاص اللي يرجّعها قبل ما يغبر الأمل معاها.

