حقوق وحريات

القليعة… وجدة… ووجوه الشباب التي حاول الصمت إخفاءها

لم تعد أحداث القليعة مجرد اضطراب محدود، ولم تعد وجدة مجرد مدينة عابرة في موجة الاحتجاجات. فبعد تقارير صحيفة لوموند الفرنسية، أصبح واضحاً أن ما جرى لم يكن وقائع منفصلة، بل حلقات مترابطة من أزمة واحدة: أزمة جيلٍ يبحث عن مكانه في وطن يضيق عليه، ويطالب بحقوقه في مواجهة صمت رسمي قاسٍ يحجب الحقيقة ولا يعالجها.

التقرير الأول لـ لوموند، الصادر في الثالث من أكتوبر 2025، أكد مقتل ثلاثة شبان في القليعة خلال تدخل أمني عنيف. هذا التصريح لم يصدر عن ناشط محلي أو صفحة غير موثوقة، بل عن واحدة من أهم الصحف الدولية، وهو ما جعل الصدمة مضاعفة: فالمؤسسات الرسمية لم تؤكد ولم تنفِ، ولم تقدّم تفسيراً للرأي العام. الصمت وحده كان هو اللغة المستخدمة.

وبعد أسابيع، جاءت شهادة جديدة من جهة أخرى من البلاد. تقرير ثانٍ يؤكد أن وجدة شهدت بدورها لحظات عنف واسعة، وعمليات مطاردة في الشوارع، واعتقالات طالت حتى شباباً لم يشاركوا في أي احتجاج. وهكذا أخذ الملف شكلاً وطنياً، ولم يعد من الممكن عزله عن السياق العام.

لكن وراء هذه المعطيات أناس عاشوا ما حدث، وحملوا آثار تلك اللحظات في أجسادهم وذاكرتهم.

تحليل بصري لاحتجاجات "جيل زد".. ماذا يحدث في المغرب؟ - CNN Arabic


ياسين: “كنت مارّاً في الطريق… ثم وجدت نفسي مطارَداً”

ياسين، شاب يبلغ تسعة عشر عاماً، خرج من منزله في وجدة لشراء حاجيات بسيطة. عندما مرّ قرب الجامعة، وجد مجموعة صغيرة من الطلاب يتناقشون. وقف للحظة، ثم انقلب المشهد في ثوانٍ.

يقول:
“لم أفعل شيئاً. كنت واقفاً فقط. فجأة بدأ عناصر الأمن يركضون في اتجاه الجميع. لم أفهم شيئاً. أمسك أحدهم بكتفي بقوة، سقطت أرضاً، ثم صودِر هاتفي.”

نُقل ياسين إلى سيارة الشرطة، ثم إلى مخفر، ثم إلى غرفة تحقيق.
وُجّهت إليه الأسئلة نفسها مراراً:
– هل كنت تصور؟
– هل كنت تشارك في التحريض؟
– مع من كنت تتحدث؟

كانت تلك الأسئلة تُطرح على العشرات من الشباب الذين تحدّثت إليهم لوموند.
المشهد واحد: اعتقال سريع، تهم جاهزة، وغياب أي مبرر قانوني واضح.


حمزة: “خرج أخي ليشاهد ما يحدث… ثم عاد بلا حياة”

حمزة هو شقيق أحد الشبان الثلاثة الذين أكدت لوموند مقتلهم في القليعة.
يحكي بصوت يشوبه الانكسار:

“أخي لم يكن منتمياً لأي جماعة سياسية. قال لنا إنه سيخرج دقائق قليلة ليعرف ما يجري. بعد ساعات، جاء من يخبرنا أنه مات.”

لم تتلقَّ الأسرة تقريراً طبياً، ولم تُستدعَ لسماع رواية رسمية، ولم تُمنح فرصةً لمعرفة التفاصيل.
الأمر الوحيد الذي عرفته كان من خلال خمسة أسطر في جريدة فرنسية… خمسة أسطر كانت أكثر وضوحاً من كل ما صدر في البلاد.ذ

أعمال عنف في احتجاجات الشبان بالمغرب ومقتل شخصين - SWI swissinfo.ch


خولة: “كنت أصوّر المشهد… ولم أتوقع أن أُسحَب بهذه الطريقة”

خولة، شابة في الثانية والعشرين من عمرها، كانت تقف على الرصيف في وجدة. لم تكن تهتف، ولم ترمِ حجراً، ولم تكن جزءاً من الاحتجاج. كانت فقط تستخدم هاتفها لتوثيق ما يجري.

تقول:
“أمسكني أحد العناصر من ذراعي، ثم وجدت نفسي مطروحة على الأرض، تُسحب قدماي وسط الفوضى. لم أصرخ. لم أتدخل. كنت فقط أصوّر.”

صودِر هاتفها، ولم يُكتَب لها استعادته.
لم تتلقَّ ورقةً تشرح سبب المصادرة، ولا محضراً يوضح ما حدث.


عبد الكبير: “عاد ابني إلى المستشفى… لا إلى البيت”

عبد الكبير، والد شاب من القليعة، يتذكر تلك اللحظة بتوتر واضح:

“قال إنه سيخرج قليلاً ليرى ما يجري. عاد إلينا محمولاً في سيارة إسعاف، فاقداً الوعي.”

الطبيب الذي فحصه قال للأسرة إن الإصابات لا يمكن أن تكون نتيجة سقوط بسيط، بل نتيجة عنف شديد.
ومع ذلك، لم يُفتح أي تحقيق رسمي، ولم تُعرض نتائج الفحص الطبي، ولم يُعلَن عن تقرير يوضح حقيقة ما حدث.


وجدة: المدينة التي انفجر فيها الصمت

وفق شهادات نقلتها لوموند، شهدت وجدة تدخلاً أمنياً واسعاً، ومطاردات في الأزقة والشوارع، واعتقالات طالت حتى شباناً وفتاة كانوا فقط في المكان الخطأ في الوقت الخطأ.

أحد الشهود يقول:
“لم يكن التجمع كبيراً. كان نقاشاً بين عدد من الطلاب. ولكن طريقة التدخل الأمني جعلت المشهد يبدو كأنه طوارئ.”

شهادة أخرى:
“لم نشهد في تاريخ المدينة هذا العدد من قوات الأمن المنتشرة في كل مكان.”

تتكرر الشهادات، وتتطابق، حتى تبدو وكأنها نسخة واحدة.
والنتيجة: انعدام الثقة.


أرقام تكشف حجم الأزمة

حسب تقارير لوموند:

  • ثلاثة قتلى في القليعة

  • إصابات عديدة في وجدة

  • أكثر من 2400 شاب يتابعون قضائياً

  • مئات الاعتقالات السريعة

  • غياب أي لجنة تحقيق مستقلة

  • صمت كامل تجاه مطالب العائلات

هذه الأرقام ليست إحصاءات جامدة.
إنها جرح وطني مفتوح.


حين يفقد الشباب ثقتهم في الدولة

الشباب الذين خرجوا إلى الشارع لم يكونوا يطلبون المستحيل. كانوا يطالبون بحياة كريمة، بتعليم محترم، بفرصة للعمل، وبحق في التعبير.
لكنهم وجدوا أنفسهم أمام العنف أو الاعتقال أو المحاضر الجاهزة.

إحدى الشابات قالت للصحيفة:
“أخطر ما في الأمر ليس ما حدث في الشارع… بل ما حدث داخلنا. لقد فقدنا الثقة.”

شاب آخر قال:
“لا نخاف من الضرب. نخاف من مستقبل لا نراه.”

هذه الكلمات تكشف عمق الأزمة النفسية قبل السياسية.

تحقيق “لوموند” يعيد تركيب أحداث العنف في القليعة ووجدة خلال احتجاجات “جيل زد” – لكم-lakome2


غياب الحقيقة… هو العنف الأكبر

لم يُعلن حتى اليوم عن تقرير رسمي يشرح ما حدث في القليعة أو في وجدة.
لم تُنشر نتائج الطب الشرعي.
لم تُعرض تسجيلات الكاميرات.
لم تُفتح لجنة تحقيق مستقلة.

الصمت هنا ليس مجرد غياب للمعلومات.
إنه شكل آخر من أشكال الإيذاء، لأنه يحول الجريمة إلى شيء مبهم، ويحوّل الضحايا إلى ظلال لا أسماء لها.


جيل لن يعود إلى الخلف

ما جرى في القليعة، وما جرى في وجدة، وما حدث لـ2400 شاب، ليس حادثاً عابراً.
إنه منعطف تاريخي يختبر قدرة الدولة على الإصغاء، وقدرة المجتمع على حماية كرامته.
جيل كامل قال كلمته: لا يريد العنف، ولا الفوضى، ولكنه يرفض أن يعيش بلا حقوق.

جيل لا يخشى الماضي، ولا يريد أن يبقى في الحاضر.
جيل يريد أن يتقدم، وأن يعيش بكرامة، وأن يسمع الحقيقة مهما كانت مؤلمة.

وإذا كانت الدولة تخشى صوت الشباب اليوم، فإنها ستخشى صمتهم غداً…
لأن صمت الجيل القادم ليس استسلاماً، بل إنذاراً ينذر بما هو أعمق.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى