حقوق وحريات

بوعياش تدق ناقوس الخطر: حين تعجز المدرسة والدعم الاجتماعي عن كبح التفاوتات

أعادت مداخلة أمينة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، أمام مجلس المستشارين، فتح نقاش عميق حول جوهر العدالة الاجتماعية والمجالية بالمغرب، في لحظة تتقاطع فيها الأزمات الاقتصادية والمناخية والاجتماعية، وتتعاظم فيها الأسئلة حول قدرة السياسات العمومية على حماية الفئات الأكثر هشاشة.

تحذير بوعياش لم يأتِ في صيغة خطاب إنشائي، بل في شكل تشخيص مباشر لأعطاب بنيوية. فالمدرسة المغربية، التي يُفترض أن تكون أداة لتكافؤ الفرص، ما تزال، بحسب توصيفها، تعيد إنتاج التفاوتات بدل تقليصها. هذا الحكم لا يستند إلى الانطباع، بل إلى مؤشرات واقعية تتعلق باستمرار الفوارق بين العالمين الحضري والقروي، وبين الجهات، وبين الفئات الاجتماعية، إضافة إلى الهدر المدرسي وضعف جودة التعلمات واختلال شروط التأطير والبنية التحتية.

في هذا السياق، تتحول المدرسة من رافعة للترقي الاجتماعي إلى آلية تعيد إنتاج الهشاشة، خصوصًا لدى الأطفال المنحدرين من أسر فقيرة أو من مناطق تعاني التهميش المجالي. وهو تحول خطير، لأنه يمس جوهر الحق في التعليم، لا فقط من حيث الولوج، بل من حيث المضمون والنتائج.

إلى جانب التعليم، توقفت بوعياش عند ورش الحماية الاجتماعية، الذي يُقدَّم باعتباره أحد أعمدة الدولة الاجتماعية الجديدة. غير أن هذا الورش، في نظر المجلس الوطني لحقوق الإنسان، يواجه اختلالات حقيقية، أبرزها إقصاء أسر من الدعم الاجتماعي المباشر، بسبب صعوبات في الاستهداف أو بسبب مقاربة تقنية لا تعكس دائمًا الواقع المعيشي للأفراد.

الأكثر إثارة للقلق هو مسألة قيمة الدعم نفسها. فالدعم الذي لا يُراجع في ضوء ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية، يفقد جزءًا كبيرًا من فعاليته الاجتماعية. هنا، يصبح الدعم موجودًا شكليًا، لكنه غير كافٍ عمليًا لتخفيف وطأة الغلاء، خصوصًا في ظل توالي موجات التضخم خلال السنوات الأخيرة.

بوعياش ذهبت أبعد من ذلك، حين ربطت هذه الاختلالات بسياق أوسع من التحولات. فالأزمات، من الجائحة إلى الجفاف، ومن زلزال الحوز إلى الفيضانات وغلاء المعيشة، لم تعد أحداثًا استثنائية، بل تحولت إلى مكونات دائمة للوضع الطبيعي الجديد. هذا الواقع، كما شددت، يفرض القطيعة مع منطق التدبير الطارئ والعلاجي، والانتقال إلى فعل عمومي استشرافي يقوم على تحليل المخاطر وتوقع الأزمات قبل وقوعها.

في هذا الإطار، دعت رئيسة المجلس إلى تغيير زاوية النظر في بناء السياسات العمومية، من منطق الحاجيات إلى منطق الحقوق. فالتدخلات المبنية فقط على تقدير الحاجيات قد تُخفف الضغط مؤقتًا، لكنها لا تؤسس للإنصاف على المدى البعيد. أما المقاربة الحقوقية، فهي التي تجعل من المساواة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص مبادئ حاكمة للفعل العمومي، وتضع المواطن في قلب السياسة، لا على هامشها.

كما ربطت بوعياش العدالة الاجتماعية بالتغير المناخي، معتبرة أن التنمية المجالية لا يمكن تصورها بمعزل عن العدالة المناخية. فالفيضانات والجفاف وندرة الموارد الطبيعية تضرب بشكل غير متكافئ، وتعمّق الفوارق القائمة، ما يفرض استحضار مبدأ الإنصاف بين الأجيال في تدبير الموارد، حتى لا تُدفع كلفة الحاضر على حساب مستقبل الأجيال المقبلة.

في المجمل، تعكس مداخلة رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان إدراكًا متقدمًا لعمق التحولات التي يعيشها المغرب، لكنها تضع في الوقت نفسه صناع القرار أمام مسؤوليات ثقيلة. فالاعتراف بالمشاكل لم يعد كافيًا، ما لم يُترجم إلى سياسات عمومية شجاعة، تُعيد الاعتبار للتعليم العمومي، وتُراجع منظومة الدعم الاجتماعي، وتنتقل من رد الفعل إلى الاستباق.

العدالة الاجتماعية، كما يبدو من هذا التشخيص، لم تعد مسألة شعارات أو نوايا، بل اختبارًا فعليًا لقدرة الدولة على إعادة بناء الثقة، وضمان الحقوق، ومواجهة عالم لم تعد أزماته استثناء، بل قاعدة متكررة.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى