
ليست المشكلة في أن الحكومة أرادت “إصلاح” المجلس الوطني للصحافة، فالإصلاح مطلوب في كل القطاعات دون استثناء. المشكلة الحقيقية، والخطيرة، هي في الطريقة التي أرادت بها الحكومة فرض هذا الإصلاح، وفي الفلسفة التي كانت تختبئ خلف مشروع القانون، وفي الرسالة التي حاولت تمريرها بصمت: يمكننا أن نعيد تشكيل مؤسسة التنظيم الذاتي كما نشاء، ثم نطالب المهنيين بأن يباركوا الأمر الواقع، ولو كان على حساب الدستور وروح الاستقلالية.
هنا بالضبط تتدخل المحكمة الدستورية وتقول كلمتها بوضوح لا يقبل التأويل: لا أحد فوق الدستور. لا حكومة، ولا أغلبية، ولا أي طرف يعتقد أن المؤسسات الدستورية مجرد محطة شكلية لتمرير ما يريده الأقوى. قرار المحكمة بعدم دستورية عدد من المقتضيات في مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو إدانة صريحة لمسار تشريعي حاول أن يخلط بين “تنظيم المهنة” و”التحكم في المهنة”، وبين “القانون” و”التوظيف”.
الهيئات النقابية والمهنية التي رفضت هذا المشروع لم تكن تصرخ من فراغ. هي كانت تضع أصبعها على الجرح: التنظيم الذاتي للصحافة كان يتجه نحو الانحباس والعبث والانزلاق التشريعي. وهذه كلمات ثقيلة، لكنها تعبّر عن واقع ثقيل بالفعل. لأننا حين نتحدث عن التنظيم الذاتي، فإننا نتحدث عن آخر ما تبقى من فكرة استقلال المهنة عن السلطة وعن المصالح الضيقة. وحين تفقد الصحافة تنظيمها الذاتي المستقل، فإنها لا تفقد مؤسسة فقط، بل تفقد حصناً كان يفترض أن يحميها من الابتزاز والإقصاء والتطويع.
تنظيم ذاتي بالاسم.. وتحكم بالفعل
في اللحظة التي يصبح فيها القانون أداة لإنتاج مجلس وطني للصحافة “مفصّل” على مقاس سياسي ومصالحي، فإننا لا نكون أمام تنظيم ذاتي، بل أمام محاولة لإلباس التحكم لباس الشرعية. وهذا أخطر أنواع التحكم، لأنه لا يأتي على شكل قرار إداري واضح يمكن الاحتجاج عليه، بل يأتي على شكل نصوص قانونية يتم تمريرها تحت شعار “التحديث” و”الإصلاح”، بينما الهدف الحقيقي هو إعادة ترتيب موازين القوة داخل المجلس، وضمان نتائج مسبقة قبل أن تبدأ اللعبة.
الهيئات وصفته بوضوح: كان هناك توجه يسعى إلى “دسترة التغول والتحكم والإقصاء والتفرد”. هذه ليست تهمة عاطفية، بل تشخيص سياسي لمضمون النص وروحه. فالمشكلة ليست فقط في بعض المواد، بل في الاتجاه العام الذي أراد تحويل مؤسسة يفترض أنها تمثل الصحافيين والناشرين، إلى مؤسسة يتم تشكيلها وفق منطق سياسي يضمن السيطرة ويقلل الخسائر.
من يختار ممثلي الصحافيين؟ الشعب المهني أم شبكات النفوذ؟
أحد أخطر ما حمله المشروع، هو طريقة انتخاب ممثلي الصحافيين. قد يبدو الأمر ثانوياً لمن لا يلتفت للتفاصيل، لكنه في الحقيقة قلب القضية كلها. الانتقال إلى الاقتراع الإسمي الفردي بدل الانتخاب باللائحة ليس مجرد تغيير بسيط، بل هو فتح مباشر لباب التحكم، لأن الاقتراع الفردي في واقع مهني هش يسهّل لعبة النفوذ والعلاقات والضغط، ويحوّل الاستحقاق من تنافس على البرامج والرؤى إلى تنافس على الأسماء والدعم والتحالفات.
في مجتمع مهني يعاني أصلاً من هشاشة اجتماعية واقتصادية، يصبح السؤال مؤلماً: هل ننتخب ممثلينا بحرية؟ أم نُدفع إلى اختيار من تتوفر له شروط النفوذ؟ وحين تُفرغ الديمقراطية المهنية من مضمونها، لا يبقى من التنظيم الذاتي سوى عنوان جميل يُستعمل في البلاغات الرسمية.
تمثيلية الناشرين على قاعدة رقم المعاملات.. حين يتحول المال إلى معيار للشرعية
ثم تأتي المسألة الأكثر خطورة: تمثيلية الناشرين وفق معيار رقم المعاملات. هذا معيار يبدو “محايداً” في الظاهر، لكنه يحمل روحاً إقصائية في العمق. لأنه يعني أن الأقوى مالياً يملك تمثيلية أكبر، وأن من لا يملك القوة المالية الكافية يصبح أقل حقاً في أن يكون جزءاً من مؤسسة التنظيم الذاتي.
وهنا يجب أن يُطرح السؤال بصراحة: منذ متى كانت الصحافة تُقاس فقط بالمال؟ وهل وظيفة المجلس الوطني للصحافة هي تكريس منطق السوق داخل قطاع وظيفته الأساسية هي حماية الحق في المعلومة وخدمة النقاش العمومي؟
الأدهى من ذلك، كما نبهت الهيئات، أن جزءاً كبيراً من رقم معاملات المقاولات الصحفية في السنوات الأخيرة صار مرتبطاً بالدعم العمومي الاستثنائي. بمعنى أوضح: المال العام صار عاملاً رئيسياً في صناعة القوة داخل السوق الصحافي، ثم يأتي مشروع القانون ليحوّل هذه القوة المصنوعة جزئياً بالدعم إلى معيار للتمثيل داخل المجلس. هذا ليس إصلاحاً، هذا إعادة هندسة كاملة للمشهد على أساس “من يملك أكثر يقرر أكثر”، حتى لو كانت هذه الملكية أصلاً مرتبطة بدعم الدولة نفسها.
وهكذا يصبح التنظيم الذاتي مدخلاً لتأبيد اختلالات قائمة، لا لتصحيحها. يصبح مؤسسة تعاقب الهشاشة بدل أن تحمي ضحاياها، وتكافئ القرب من دوائر النفوذ بدل أن تضمن تكافؤ الفرص.
ضرب العمل النقابي.. الطريق الأقصر لترويض الصحافة
الهيئات تحدثت كذلك عن سياق أوسع لا يمكن تجاهله: توجه نيوليبرالي جديد يسعى إلى ضرب العمل النقابي ومحاصرته وإخراس أصوات الصحافيين. وهذا الكلام ليس دعاية، لأن الواقع المهني يقول إن الصحافي حين يفقد نقابته القوية، يفقد قدرته على الدفاع عن أجره، وعن شروط عمله، وعن كرامته. وحين يُصبح ضعيفاً، يسهل إخضاعه، ويسهل توجيهه، ويسهل دفعه إلى الصمت.
هنا بالضبط يصبح المجلس الوطني للصحافة، بدل أن يكون مؤسسة حماية وتنظيم، مجرد أداة إضافية في خريطة “الضبط”. لا عبر المنع المباشر، بل عبر تجفيف منابع القوة المهنية، وحصار من يمثلون صوت الصحافة الحقيقي.
ولا يمكن لبلد أن يدعي حماية “الأمن الإعلامي” وهو يدفع الصحافة إلى زاوية الخوف والهشاشة. الأمن الإعلامي لا يتحقق بإضعاف الصحافي، بل بتحريره من الابتزاز، وبتمكينه من حقوقه، وبضمان استقلال المؤسسات التي تنظمه.
الحكومة مطالبة بالاعتراف.. لا بالمناورة
بعد قرار المحكمة الدستورية، لم يعد هناك أي مبرر للمراوغة. الحكومة مطالبة بأن تعترف أن مسار هذا المشروع كان مساراً معطوباً، وأن التعامل مع التنظيم الذاتي بمنطق فرض الأمر الواقع كان خطأ سياسياً وتشريعياً. المطلوب اليوم ليس ترقيع بعض المواد، ولا البحث عن صياغات التفافية، بل إعادة القانون برمته إلى طاولة الحوار.
الدولة إن كانت تحترم نفسها، فعليها أن تفهم أن التنظيم الذاتي لا يُصنع بقرار فوقي، ولا يُفرض بالقوة داخل البرلمان، ولا يُمرر بمنطق “الأغلبية العددية”. التنظيم الذاتي يُبنى بالتوافق، ويُصنع بالإشراك الحقيقي للمهنيين، وبالاستماع للأصوات التي تم تهميشها، لأن هذه الأصوات هي التي تدفع ثمن كل انحراف في المستقبل.
تنظيم ذاتي مستقل.. أو صحافة بلا روح
هذه ليست معركة تقنية حول مواد قانونية. هذه معركة حول معنى الصحافة داخل البلد. هل نريد صحافة حرة ومسؤولة، لها مجلس مهني مستقل يحميها وينظمها؟ أم نريد صحافة منزوعة الأنياب، مطوقة بقوانين تجعلها تتنفس بصعوبة، ثم نطالبها بأن تؤدي دورها في كشف الحقيقة؟
قرار المحكمة الدستورية أعاد الأمور إلى أصلها: لا شرعية لأي تشريع يقتل روح التنظيم الذاتي ثم يدّعي تطويره. ولا معنى لمؤسسة يُصنع تمثيلها على مقاس التحكم ثم تُقدّم كعنوان للديمقراطية.
إن ما حدث ليس نهاية الأزمة، لكنه بداية امتحان جديد: هل ستتعلم الحكومة الدرس وتعود للحوار؟ أم ستبحث عن طرق أخرى لإعادة إنتاج نفس المنطق بلباس جديد؟
والجواب الحقيقي لن يُكتب في بلاغ حكومي، بل سيظهر في سلوك الدولة تجاه الصحافة: هل تحميها أم تحاصرها؟ هل تعطيها استقلالها أم تسلبه؟ وهل تعترف بأن التنظيم الذاتي حق مهني ومجتمعي لا مجال للعبث به؟

