منع تصدير السردين: قرار مركزي يربك الأقاليم الجنوبية ويكشف حدود العدالة المجالية

أعاد قرار منع تصدير السردين، الذي أعلنت عنه كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري زكية الدريوش، فتح نقاش قديم–جديد حول طبيعة القرار العمومي في المغرب، وحدود انسجامه مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي للأقاليم، خصوصًا الجنوبية منها. فالقرار، الذي قُدّم باعتباره خطوة لحماية السوق الوطنية وضبط الأسعار، سرعان ما كشف عن تناقضات عميقة بين منطق المركز ومنطق المجالات المنتجة.
من حيث المبدأ، يبدو منع التصدير إجراءً يستجيب لهواجس مشروعة تتعلق بغلاء الأسعار وضمان وفرة السردين في الأسواق الوطنية. غير أن تنزيل القرار على الأرض، خاصة في الأقاليم الجنوبية، يطرح أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة. فالسردين المصطاد في هذه المناطق لم يكن موجّهًا تاريخيًا للاستهلاك المحلي، بل يشكّل العمود الفقري لصناعة التجميد والتصدير، التي يعيش عليها آلاف البحارة والعمال ووحدات الإنتاج.
المفارقة الأولى التي يسجلها المهنيون هي أن القرار لم يُفضِ، إلى حدود الآن، إلى انخفاض ملموس في أسعار السردين داخل الأسواق الوطنية. فالسردين الذي يصل إلى موائد المغاربة ظل، في الغالب، مرتبطًا بموانئ الوسط والشمال، فيما بقي إنتاج الجنوب خارج هذه الدائرة، ما يجعل ربط منع التصدير بتحسين القدرة الشرائية للمواطن ربطًا غير مُحكم من الناحية الواقعية.
الأمر يزداد تعقيدًا مع تزامن هذا القرار مع تمديد فترة الراحة البيولوجية، وهو ما يضاعف الضغط على قطاع يعيش أصلًا على إيقاع موسمية قاسية. في هذا السياق، يتحول القرار من إجراء تنظيمي إلى قنبلة اجتماعية موقوتة، خصوصًا في أفق شهر رمضان، حيث يطرح سؤال بسيط لكنه ثقيل الكلفة: كيف سيعيش آلاف البحارة والعمال في الأقاليم الجنوبية في ظل توقف شبه كامل للنشاط؟
المهنيون في وحدات تجميد السردين عبّروا عن استغرابهم من الطابع المفاجئ للقرار، ومن شموليته الزمنية التي تمتد لسنة كاملة، دون آليات انتقالية أو إجراءات مرافقة. فالمعطيات المتداولة تؤكد أن أكثر من 99 في المائة من إنتاج السردين يأتي من الأقاليم الجنوبية، ما يجعل أي قرار عام ذا أثر غير متوازن، يضرب اقتصاد منطقة بعينها أكثر من غيرها.
في هذا السياق، تبرز إشكالية العدالة المجالية. إذ يرى عدد من الفاعلين أن القرار، وإن كان يُرفع بشعار “حماية السوق الوطنية”، قد يؤدي عمليًا إلى إعادة توزيع غير عادل للفرص داخل القطاع. فتعطيل وحدات التجميد في العيون وباقي مدن الصحراء قد يفتح المجال أمام فاعلين صناعيين في أكادير وآسفي والدار البيضاء لاقتناء الكميات المتوفرة، وإعادة توجيهها نحو التصدير بطرق غير مباشرة، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول تكافؤ الفرص، وحول من يستفيد فعليًا من هذا المنع.

هذا الجدل لا ينفصل عن السياق السياسي والمؤسساتي الأوسع. فالأقاليم الجنوبية ما تزال، في كثير من الملفات، تُدار بالمنطق نفسه الذي تُدار به باقي الجهات، رغم الخطاب الرسمي الذي يربط المستقبل بتنزيل الحكم الذاتي وتخفيف المركزية. قرار السردين يكشف، مرة أخرى، أن المركز ما يزال يتخذ قرارات استراتيجية دون إشراك فعلي للفاعلين المحليين، ودون مراعاة خصوصيات المجالات المنتجة.
المشكل، إذن، لا يكمن فقط في منع التصدير، بل في طريقة اتخاذ القرار. غياب التشاور، وغياب الدراسات الاجتماعية المصاحبة، وغياب إجراءات التخفيف من الأثر، كلها عوامل تجعل من قرار تقني في ظاهره ملفًا اجتماعيًا وسياسيًا في عمقه. فحين يشعر الفاعلون المحليون أن قرارات تمس عيشهم تُتخذ بعيدًا عنهم، تتحول السياسات العمومية إلى مصدر توتر بدل أن تكون أداة تنظيم.
في المحصلة، يطرح ملف منع تصدير السردين سؤالًا أكبر من السمك والأسعار: أي نموذج للحكامة نريد؟ هل نريد قرارات مركزية سريعة تُراكم الاختلالات، أم سياسات عمومية تُبنى على المعطيات الميدانية، والإنصاف المجالي، والتوازن بين حماية المستهلك وحماية المنتج؟
الجواب عن هذا السؤال سيحدد ما إذا كان هذا القرار محطة عابرة قابلة للتصحيح، أم حلقة جديدة في سلسلة قرارات مركزية تُفاقم الإحساس بالتهميش في مناطق يُفترض أنها في قلب الرهان التنموي الوطني.

