حقوق وحريات

آسفي الجريحة: كيف تحوّلت الفيضانات إلى امتحان مؤسساتي

لم تعد فاجعة الفيضانات التي ضربت إقليم آسفي حدثًا معزولًا يمكن اختزاله في أرقام الضحايا والخسائر المادية، بل تحوّلت، مع مرور الساعات، إلى ملف متعدد الأبعاد تتقاطع فيه الأسئلة الإنسانية بالتدبيرية، والسياسية بالحقوقية.

فبعد ليلة قاسية ارتفعت فيها حصيلة الضحايا بشكل متسارع، واستفاقت المدينة على مشاهد الفقد والدمار، بدأ النقاش يتجاوز توصيف الكارثة إلى البحث في المسؤوليات، خاصة في ما يتعلق بغياب التدابير الاستباقية، وهشاشة البنيات، وضعف سياسات الوقاية من المخاطر الطبيعية.

في هذا السياق، دخلت الجمعية الوطنية للمحامين بالمغرب على خط الفاجعة، معلنة تحميلها السلطات الحكومية مسؤولية ما وصفته بالتقصير في اتخاذ الإجراءات الضرورية التي كان من شأنها الحد من آثار هذه الكارثة. ففي بيان تضامني صدر بتاريخ 15 دجنبر، عبّرت الجمعية عن حزنها العميق لما خلفته الفيضانات من خسائر بشرية ومادية، ومن معاناة إنسانية مست عدداً كبيراً من الأسر، مؤكدة تضامنها الكامل مع الضحايا وانخراطها في مواكبتهم قانونياً.

ولم يتوقف موقف الجمعية عند حدود التضامن الرمزي، بل أعلنت عزمها اللجوء إلى القضاء في إطار ما سمّته التقاضي الاستراتيجي، من خلال رفع دعاوى ضد رئيس الحكومة أمام المحكمة الإدارية بالرباط. كما طالبت بإعلان مدينة آسفي منطقة منكوبة، بما يترتب عن ذلك من تمكين الساكنة المتضررة من آليات قانونية ومالية لجبر الأضرار الفردية والجماعية، واتخاذ تدابير استعجالية وهيكلية تضمن عدم تكرار ما وقع.

هذا التحرك الحقوقي أعاد إلى الواجهة سؤال ربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة في ما يتعلق بتدبير مخاطر الفيضانات، وحماية السكان في المناطق المعروفة بهشاشتها البيئية والبنيوية. فحسب الجمعية، فإن ما حدث في آسفي ليس فقط نتيجة ظروف مناخية قاسية، بل يعكس اختلالات أعمق في السياسات العمومية المرتبطة بالتخطيط الاستباقي والوقاية من الكوارث.

كما دعت الهيئة المهنية مختلف المنظمات الحقوقية وفعاليات المجتمع المدني إلى توحيد الجهود والترافع المشترك من أجل إنصاف الضحايا، وضمان عدم الإفلات من المسؤولية، معتبرة أن التعامل مع فاجعة بهذا الحجم يقتضي مقاربة شاملة لا تكتفي بالتدخلات الظرفية، بل تؤسس لمسار إصلاحي حقيقي.

وبهذا المعنى، تتحول فاجعة آسفي من مأساة إنسانية إلى امتحان مؤسساتي، ليس فقط في كيفية تدبير الكوارث، بل في قدرة الدولة على الإنصات للضحايا، وتحمل المسؤولية، والانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الوقاية والمحاسبة. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد ماذا حدث فقط، بل ماذا سيتغير حتى لا تتكرر المأساة بالشكل نفسه.

5 1 تصويت
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى