حين تفشل القروض في إنقاذ القدرة الشرائية: قراءة في ضوء قانون المالية والسياسات الحكومية

الأرقام التي كشف عنها بنك المغرب بخصوص ارتفاع الديون المتعثرة لا يمكن فصلها عن الاختيارات التي كرّسها قانون المالية خلال السنوات الأخيرة، ولا عن السياسات الحكومية التي جعلت من القروض بديلاً غير معلن عن تحسين الدخل وحماية القدرة الشرائية. فحين تصل نسبة الديون المتعثرة إلى 8,6 في المائة من إجمالي القروض البنكية، وتتجاوز 10 في المائة لدى الأسر، فإن ذلك يعكس فشلاً في السياسة الاجتماعية قبل أن يكون خللاً في المنظومة البنكية.
قوانين المالية المتعاقبة رفعت شعار “الدولة الاجتماعية”، لكنها في الممارسة ركّزت على التوازنات الماكرو-اقتصادية أكثر من تركيزها على واقع العيش اليومي للأسر. فالدعم المباشر ظل محدود التغطية والأثر، والسياسات الضريبية واصلت الضغط على الاستهلاك، بينما لم تُواكَب موجات الغلاء بزيادات حقيقية في الأجور تضمن الحد الأدنى من الكرامة الاقتصادية.
في هذا السياق، لم تجد الأسر بديلاً سوى اللجوء إلى القروض لتغطية ما كان يفترض أن يؤمَّن عبر الأجر أو الخدمات العمومية: السكن، العلاج، الدراسة، وحتى الاستهلاك الأساسي. ومع كل قانون مالية جديد، كانت الحكومة تراهن ضمنيًا على استمرار الطلب الداخلي، دون معالجة جوهرية لأزمة الدخل، ما جعل القروض تتحول من أداة ظرفية إلى ركيزة هشة للاستقرار الاجتماعي.
ارتفاع نسبة الديون المتعثرة لدى الأسر إلى 10,6 في المائة يكشف حدود هذا الرهان. فالقرض لا يعوّض سياسة اجتماعية ضعيفة، ولا يمكنه أن يصمد أمام تضخم متواصل، وضرائب غير مباشرة تثقل كاهل المستهلك، وخدمات عمومية لا تخفف الضغط عن ميزانية الأسرة. وهنا يتحول التعثر البنكي إلى مؤشر اجتماعي صريح على تآكل القدرة الشرائية.
الأمر نفسه ينطبق على الشركات غير المالية الخاصة، خصوصًا المقاولات الصغرى والمتوسطة، التي بلغت نسبة الديون المتعثرة لديها 13,2 في المائة. فهذه المقاولات تُقدَّم في الخطاب الحكومي كقاطرة للتشغيل، لكنها في الواقع تعاني من ضعف الطلب الداخلي، وارتفاع التكاليف، وصعوبة الولوج إلى تمويل بشروط عادلة. وقوانين المالية، بدل دعمها بسياسات ضريبية وتحفيزية واضحة، اكتفت بإجراءات جزئية لم تُحدث التحول المطلوب.
قراءة سياسة الإقراض في ضوء قانون المالية تكشف أيضاً توسعاً مقلقاً في القروض الاستهلاكية والقروض الصغرى، بنسبة تجاوزت 12 في المائة. هذا التوسع لا يعكس دينامية اقتصادية صحية، بل محاولة لتعويض اختلالات السياسات العمومية عبر تحميل الأسر عبء التمويل الذاتي لأزماتها. فالدولة التي تقلص دعمها للخدمات، وتؤجل إصلاح الأجور، تدفع المواطن عملياً إلى الاقتراض من أجل البقاء.
في المقابل، يلاحظ أن السياسات الحكومية ما زالت تتعامل مع ارتفاع الديون المتعثرة كإشكال بنكي تقني، يُعالَج عبر احتياطات ومراقبة المخاطر، دون ربطه بجذوره الاجتماعية. والحال أن التعثر البنكي هو النتيجة المباشرة لسياسات مالية لم تجعل تحسين الدخل أولوية، ولم تُفعِّل عدالة ضريبية حقيقية، ولم تحمِ القدرة الشرائية بشكل استباقي.
إن قانون المالية، في صيغته الحالية، يختبر اليوم على أرض الواقع. والأرقام تؤكد أن الاستقرار الظاهري يخفي هشاشة عميقة. فالقروض لم تنقذ القدرة الشرائية، بل أخفت أزمتها مؤقتاً. ومع تزايد التعثر، يتضح أن تأجيل الإصلاح الاجتماعي عبر القروض لم يعد خياراً قابلاً للاستمرار.
دون مراجعة جذرية للسياسات الحكومية، تجعل من الدخل، والعدالة الضريبية، والخدمات العمومية ركائز حقيقية، ستظل القروض مجرد مسكن اقتصادي، وستبقى الديون المتعثرة جرس إنذار مبكر لأزمة اجتماعية أعمق، يدفع المواطن ثمنها وحده.

