MADINA AR

بين الاحتفال السياسي وصورة الكوارث: أي مغرب يُقدَّم للعالم؟

في الوقت الذي ينشغل فيه حزب التجمع الوطني للأحرار بتنظيم تظاهرات سياسية احتفالية، في محاولة لتكريس صورة “شرعية انتخابية” مبكرة تقودها شخصية رئيس الحكومة عزيز أخنوش، يتواصل في المقابل تدفّق أخبار مقلقة عن المغرب عبر وسائل الإعلام الدولية، أخبار لا تتعلق بالاستثمار ولا بالأرقام الوردية، بل بالكوارث، والهشاشة، وانكسار الثقة الاجتماعية.

قناة الجزيرة، ذات الانتشار الواسع في العالم العربي، تحدثت بوضوح عن حالة ترقب وحذر تعيشها عدة مناطق مغربية بسبب الأمطار الطوفانية، خاصة في الجنوب، حيث عاشت أقاليم كاملة لحظات رعب حقيقي بعد فيضان الأودية، مخلفة ضحايا وخسائر جسيمة. وأشارت تقاريرها إلى أن ارتفاع عدد الوفيات لم يكن فقط نتيجة قوة الطبيعة، بل أيضاً بسبب غياب شروط السلامة واتخاذ قرارات محفوفة بالمخاطر، من بينها محاولة حافلة للركاب عبور وادٍ في حالة فيضان، ما انتهى بانجرافها وانقلابها ومصرع ركابها.

فرنس 24 بدورها تحدثت عن مشاهد مشابهة، مؤكدة سقوط قتلى، وتسجيل مفقودين، في تكرار مقلق لكوارث لم يمضِ عليها سوى أسابيع. وهو ما جعل هذه الأحداث تتحول إلى مادة يومية في الإعلام الدولي، وإلى موضوع واسع التداول على منصات التواصل، ليس بوصفها حوادث معزولة، بل كمؤشرات على خلل أعمق في تدبير المخاطر والوقاية.

تزامن هذه الكوارث الطبيعية مع مشاهد الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة، حيث حاول آلاف الشباب، أغلبهم قاصرون، اقتحام الحدود بحثاً عن أفق مفقود، زاد من حدة التساؤلات الدولية حول الوضع الاجتماعي في المغرب. أرقام التوقيفات التي أعلنتها السلطات، وحجم المشاركة الشبابية في هذه المحاولات، دفعت عدداً من وسائل الإعلام والمحللين إلى التشكيك في فعالية ما يُقدَّم رسمياً كنموذج “الدولة الاجتماعية”.

هذه الصورة لم تُصنع في الخارج فقط، بل تجد جذورها في الداخل. فقبل عام واحد فقط، هزّ زلزال الحوز البلاد، مخلفاً آلاف القتلى وملايين المتضررين، وكشف هشاشة البنيات التحتية، وصعوبة الوصول إلى المناطق المنكوبة، وتعثر مسارات إعادة الإعمار. ورغم مرور الوقت، لا تزال آثار تلك الفاجعة حاضرة في الذاكرة الجماعية، ومعها أسئلة لم تُحسم بعد حول المسؤولية، والجاهزية، والإنصاف.

في هذا السياق، يبدو التناقض صارخاً بين خطاب سياسي يحتفي بالإنجازات ويُسرّع وتيرة الحملات الحزبية، وواقع اجتماعي يفرض نفسه بقوة في عناوين الإعلام الدولي. فالصورة التي تُصدَّر اليوم عن المغرب ليست نتاج “استهداف خارجي” كما يُروَّج أحياناً، بل نتيجة تراكم وقائع ميدانية، عجزت السياسات العمومية عن احتوائها أو معالجتها في عمقها.

الرهان الحقيقي لا يكمن في تحسين الصورة عبر الحملات التواصلية، بل في معالجة أسباب هذه الصورة: الوقاية من الكوارث، حماية الأرواح، توفير أفق اجتماعي حقيقي للشباب، وربط الخطاب السياسي بالمساءلة والإنجاز الملموس. دون ذلك، سيظل الفارق كبيراً بين منصات الاحتفال في الداخل، وشاشات العالم التي تنقل وجهاً آخر للواقع المغربي.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى