إفتتاحية

الثروة المعدنية وقود الغضب الاجتماعي

حين تفشل الحكومة في تحويل الموارد إلى عدالة

لم يعد ممكنا فصل ما يجري في مناطق الثروة المعدنية بالأطلس الصغير عن حالة العزوف الانتخابي الواسع وفقدان الثقة العميق في السياسة والمؤسسات. ما تكشفه الدراسات العلمية حول غنى كَردوس وآيت عبد الله بالنحاس والمعادن الاستراتيجية لا يضيف جديدا لمعرفة الدولة بقدر ما يفضح عجز الحكومة الحالية برئاسة عزيز أخنوش عن تحويل المعرفة إلى عدالة والتنمية إلى معنى.

حكومة أخنوش تعرف جيدا أين توجد الثروة وتعرف حجم الطلب الدولي عليها وتعرف قيمة الاستثمار المنجمي في السوق العالمية. لكنها تختار عن وعي أن تدير هذا الملف بمنطق تقني ومالي ضيق يراكم الأرباح في الأعلى ويترك الغضب يتراكم في الأسفل. هذه ليست زلة تدبير بل خيار سياسي كامل الأركان.

في القرى والمجالات الجبلية حيث تُستخرج المعادن لا يتحدث الناس عن النموذج التنموي الجديد ولا عن الجهوية المتقدمة. يتحدثون عن طرق مهترئة ومدارس بعيدة ومستشفيات غائبة وشباب بلا أفق. وحين يرون الثروة تغادر أرضهم في شاحنات ولا يعود إليهم سوى الغبار والبطالة يصبح سؤال السياسة سؤالا بلا جواب. هنا يبدأ العزوف. ليس لأن المواطن غير مهتم بل لأنه لم يعد يرى في الانتخابات أداة للتغيير.

أخنوش وحكومته يطالبون المواطنين بالثقة والمشاركة بينما يمارسون عكس ذلك تماما. كيف يُطلب من شاب في كَردوس أو آيت عبد الله أن يصوت وهو يرى أن القرارات التي تمس أرضه وثروته تُتخذ في الرباط أو في مكاتب الشركات دون أي إشراك حقيقي؟ كيف يُقنع المواطن بأن الجهوية المتقدمة قائمة بينما الجهات لا تملك سلطة فعلية على مواردها؟

العزوف الانتخابي ليس ظاهرة ثقافية ولا كسلا مدنيا كما تحب الحكومة أن تروج. هو نتيجة منطقية لسياسات تفرغ السياسة من معناها وتحول الانتخابات إلى طقس بلا أثر. حين تُدار الثروة بمنطق الريع وحين يُختزل الاستثمار في أرقام النمو وحين يُقصى المواطن من القرار يصبح الصندوق الانتخابي فارغا قبل أن يُفتح.

الاحتجاجات المحلية التي تندلع من حين لآخر في مناطق الجنوب والأطلس ليست أحداثا معزولة. هي إشارات إنذار. الحكومة تختار تجاهلها أو احتوائها أمنيا أو تفكيكها اجتماعيا بدل مواجهة أصل المشكلة. أصل المشكلة هو أن الدولة في عهد هذه الحكومة تفضل الاستقرار المحاسباتي على العدالة الاجتماعية وتفضل رضا المستثمر على كرامة الساكنة.

النموذج التنموي الجديد الذي تتغنى به الحكومة يتحول في الواقع إلى غطاء لغوي لإعادة إنتاج نفس الاختلالات القديمة. لا عدالة مجالية حقيقية ولا توزيع منصف للثروة ولا ربط واضح بين الاستغلال المنجمي والتنمية المحلية. والنتيجة واضحة: ثروة بلا سيادة اجتماعية وتنمية بلا مواطن.

حين يفقد الناس الثقة في السياسة لا يعودون إلى الأحزاب ولا إلى البرلمان بل إلى الشارع أو إلى الصمت. والصمت أخطر من الاحتجاج لأنه يعني انسحابا كاملا من المجال العام. هذا هو الخطر الحقيقي الذي تصنعه حكومة أخنوش اليوم. ليس فقط فشلا تنمويا بل تفكيكا بطيئا للعلاقة بين الدولة والمجتمع.

إذا استمرت الحكومة في هذا المسار فإن انتخابات الغد ستكون أضعف مشاركة وأقل شرعية مهما كانت الأرقام الرسمية. لأن الثقة لا تُفرض بالقانون ولا تُشترى بالحملات التواصلية. الثقة تُبنى حين يشعر المواطن أن صوته يؤثر وأن ثروته تعود عليه وأن الدولة ليست مجرد وسيط بينه وبين الشركات.

الثروة المعدنية اليوم ليست فرصة اقتصادية فقط بل اختبار سياسي حاسم. إما أن تتحول إلى رافعة للعدالة المجالية والديمقراطية وإما أن تستمر كوقود للعزوف والغضب والانفجار المؤجل. والكرة ليست في ملعب المواطن بل في ملعب الحكومة التي اختارت حتى الآن الطريق الأسهل والأخطر.

بن بركة

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى