طريق وطنية تغرق كل شتاء… والبلاد ما زالت تبني “على قدّ الطقس”

ما وقع هذا الأسبوع بين الصويرة وتيزنيت ليس مجرد حادثة معزولة في موسم مطري استثنائي، بل هو صورة مكثفة لمعضلة تتكرر في المغرب بنفس السيناريو، وبنفس الأسئلة، وبنفس الغضب الذي لا يجد جواباً شافياً: فيضانات تقطع محاور حيوية، قناطر تنهار أو تُشلّ وظيفتها، مسافرون عالقون لساعات، شاحنات توقفت، سلاسل التموين ارتبكت، والناس تُترك وسط ارتجال الطريق والانتظار… ثم بعد ذلك تعود الحياة تدريجياً وكأن شيئاً لم يكن، إلى أن تأتي موجة مطرية جديدة لتعيد نفس المشهد.
الطريق الوطنية رقم 1 ليست طريقاً ثانوية، ولا ممراً محلياً محدود التأثير. هي شريان استراتيجي يربط مناطق سياحية واقتصادية، تتحرك عليه يومياً مئات السيارات وحافلات النقل وشاحنات البضائع والمنتجات الفلاحية والبحرية. حين ينقطع هذا المحور في أكثر من نقطة، وتنهار قنطرة فوق وادٍ مثل “واد تسوكة”، لا نتحدث فقط عن أزمة مرور، بل عن أزمة دولة في إدارة البنية التحتية عندما يتحول المطر من نعمة إلى خطر، ومن حدث طبيعي إلى امتحان يفشل فيه النظام كله مرة أخرى.
المشكل هنا ليس أن المطر نزل بقوة، فالمناخ اليوم صار أكثر تطرفاً في كل العالم، وهذه حقيقة لم تعد تحتاج إلى شرح. المشكل أن المغرب ما زال، في جزء من بنيته الطرقية، يُعامل المطر كأنه مفاجأة غير متوقعة، وكأن الهندسة التي تُصرف عليها الملايير لا تُفترض فيها القدرة على استيعاب سيناريوهات السيول والانجراف وارتفاع منسوب الأودية. نحن لسنا أمام ظاهرة غير قابلة للتوقع، بل أمام نمط موسمي بات يتكرر، ومع ذلك يتم التعامل معه كل مرة كحدث طارئ، لا كخلل بنيوي في فلسفة البناء والتخطيط.
الفيضانات التي عطلت مقاطع بين أكادير والصويرة، وأوقفت الحركة قرب ماسة، وشلت طرقاً إقليمية بتيزنيت، ليست فقط اختباراً للقناطر، بل اختباراً لعقلية تدبير المجال. لماذا ينهار مقطع طريقي في أول موجة مطرية قوية؟ لماذا تُترك مسارات دون بدائل حقيقية؟ لماذا يشعر المواطن في لحظة الأزمة أن الطريق أقوى منه وليست في خدمته؟ ولماذا تتحول الجغرافيا إلى سجن مؤقت بمجرد ما يرتفع منسوب المياه؟
حين يجد المواطنون أنفسهم عالقين في الطريق، يصبح السؤال الأمني والإنساني أكثر إلحاحاً من السؤال التقني. فغياب المسارات البديلة لا يعني فقط التأخر عن العمل أو تعطل شاحنة نقل، بل يعني أن الحالات الصحية المستعجلة قد لا تصل في الوقت المناسب، وأن التموين قد يتأخر، وأن مناطق كاملة يمكن أن تعيش شبه عزلة، وأن نشاطاً سياحياً قد يتضرر في وقت حساس. وحين تزداد هذه السيناريوهات تكراراً، لا يعود الأمر مجرد “انزعاج”، بل يدخل في خانة الإخلال بواجبات الدولة الأساسية: ضمان الحد الأدنى من استمرارية الخدمات والربط بين المناطق.
المثير للقلق أن النقاش غالباً ما يتم اختزاله في لحظة الانهيار، ثم ينتهي عند إعلان أشغال إصلاح أو “تأمين بديل”. لكن السؤال الأهم ليس متى سنعيد فتح الطريق، بل لماذا نصل كل مرة إلى الانقطاع أصلاً؟ الإصلاح بعد الكارثة ضروري، لكن الأهم هو منطق الوقاية قبل الكارثة. لأن الدولة التي لا تستبق المخاطر، ستظل دائماً تشتغل بمنطق الإطفاء، وستظل ميزانياتها تذهب لترميم ما يُهدم بدل بناء ما يصمد.
ثم هناك عنصر لا يمكن تجاهله: كيف يتم تقييم جودة الأشغال السابقة؟ ما مدى صلابة المنشآت الفنية المنجزة؟ وهل توجد مراقبة فعلية لحجم الانجرافات وحركة التربة ومجاري المياه التي قد تغير اتجاهها مع كل موسم مطري؟ وهل نملك اليوم مقاربة هندسية تتعامل مع السيول باعتبارها جزءاً من الواقع المناخي الجديد، وليس مجرد احتمال بعيد؟ لأن ما يجري يوحي أن بعض المشاريع صممت بعقلية الحد الأدنى، وكأن المطلوب هو “فتح الطريق” أكثر من ضمان بقائها آمنة.
صحيح أن السلطة المحلية تقوم غالباً بتوجيه حركة السير نحو بدائل مثل الطريق السيار أكادير–مراكش، وهذا في حد ذاته إجراء ضروري لتخفيف الخسائر، لكنه لا يحل جوهر المشكلة. الطريق السيار ليس بديلاً طبيعياً للجميع، ولا يملك نفس الوظيفة، ولا يصلح دائماً للشاحنات أو للمسافرين الذين يرتبطون زمنياً واقتصادياً بمحور محدد. والبديل الحقيقي ليس تحويل الناس إلى مسار أطول، بل جعل المسار الأصلي أكثر مقاومة وأقل هشاشة.
الفيضانات إذن لم تفتح فقط نقاش “قنطرة انهارت”، بل فتحت نقاشاً أكبر: هل البنية الطرقية في المغرب تُبنى بمنطق الاستدامة أم بمنطق الإنجاز السريع؟ هل المشاريع تُقيّم بعد التسليم أم ينتهي الاهتمام بمجرد قص الشريط؟ هل المال العام يذهب إلى نتائج قابلة للقياس، أم إلى صفقات تُحسب بالأمتار والكيلومترات فقط؟ لأن الطريق ليس رقماً في دفتر التحملات، بل حياة يومية لناس يتنقلون، وبضائع تُنقل، ومرضى يحتاجون الوصول، ومناطق تعتمد على الربط لكي تعيش اقتصادياً.
قد يبدو هذا الكلام حاداً، لكنه في الحقيقة أقرب إلى واقع المواطن البسيط الذي لا يفهم لماذا تتكرر الأزمة كل شتاء بنفس التفاصيل. المطر في النهاية لن يتوقف، والمناخ لن يعود إلى ما كان عليه، والفيضانات ستتكرر، وهذا يعني أن الاستمرار في نفس المنطق هو اختيار مسبق بتكرار نفس الفشل.
وإذا كانت الدولة تريد فعلاً بنية تحتية تليق بشعار “المغرب الصاعد”، فالطريق الوطنية التي تنقطع كل موسم مطري ليست مجرد مشكلة هندسية، بل مشكلة ثقة. لأن الثقة في الدولة تبدأ حين يشعر المواطن أن المسافة بين مدينة وأخرى ليست مغامرة موسمية، وأن حياته ليست رهينة لقنطرة واحدة، وأن مشروعاً صرفت عليه الأموال العمومية قادر على الصمود أمام أول اختبار طبيعي.
ما حدث بين الصويرة وتيزنيت يجب أن يُقرأ كرسالة واضحة: زمن الحلول الترقيعية انتهى. المطلوب اليوم مراجعة صريحة لمعايير البناء، ولطرق المراقبة، ولمنطق الصفقات، ولعلاقة التخطيط بالتغير المناخي. وإلا سنظل ندور في نفس الحلقة: مطر قوي، انهيار، عزلة، إصلاح مستعجل، ثم انتظار الفيضان القادم.

