قرار تاريخي للمحكمة الدستورية: قانون المجلس الوطني للصحافة يخالف الدستور ويُعاد إلى الحكومة

في قرار لم يكن مفاجئاً للمتابعين، حسمت المحكمة الدستورية أمرها، معلنةً أن عدداً من مواد قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة تتعارض مع الدستور. وكانت المواد المتعلقة بتشكيل المجلس وتأليفه في صلب المخالفات. وهذا القرار يعني عملياً إعادة النص التشريعي إلى الحكومة لمراجعة أوضاعه ووضع مشروع قانون جديد يحترم الثوابت الدستورية.
تقف مسألة الاستقلالية كحجر عثرة رئيسي أمام هذا القانون. فالدستور المغربي لسنة 2011 كرس بوضوح لا لبس فيه مبدأ التنظيم الذاتي للمهنيين، بما في ذلك الصحافيون. لكن مواد القانون المُطعون فيه، خاصة تلك المنظمة لتأليف المجلس، شابها خلل جوهري. فقد افتقدت إلى التناسب في تمثيل المكونات المهنية المختلفة، مع منح تمثيل مفرط لفئة الناشرين على حساب الصحافيين والمهنيين الآخرين. هذا الخلل لم يمس فقط تكوين الهيئة، بل امتد إلى صلاحيات الرئيس والجمعية العامة، مما هدد مبادئ الديمقراطية الداخلية والمساواة بين أعضاء المهنة الواحدة.
لم يكن هذا الخرق الدستوري خافياً. فقد أُثيرت الانتقادات من قبل مؤسسات دستورية، وخبراء قانونيين، وأكاديميين، وهيئات مهنية، وفوق ذلك كله، من المعارضة البرلمانية التي نبهت مبكراً إلى هذه المخاطر. وُجهت دعوات متكررة إلى الحكومة والوزير الوصي لفتح حوار حقيقي وتشاركي، يأخذ بعين الاعتبار تراكمات التجربة المغربية منذ دستور 2011، ويستحسن الممارسات الدولية في مجال تنظيم المهنة. لكن هذه الدعوات اصطدمت بإصرار حكومي وبرلماني على تمرير النص كما هو، معتمدةً على ثقل الأغلبية، في قرار يوصف بأنه “تحدٍ للدستور” وهدر للزمن التشريعي والسياسي.
تتجاوز هذه الواقعة قانوناً بعينه لتكشف عن إشكال أوسع في منهجية العمل التشريعي لهذه الحكومة. فغياب المخطط التشريعي الواضح، وسحب بعض النصوص وتعطيل أخرى، وتكرار رفض المحكمة الدستورية لمشاريع حكومية، كلها مؤشرات على أزمة كفاءة. كما لوحظ توجه نحو “تهريب التشريع” عبر اعتماد المراسيم بدلاً من القوانين، وتجاهل مقترحات القوانين المقدمة من المعارضة، مما يضعف العمل البرلماني ويُفرغه من محتواه الديمقراطي.
قرار المحكمة الدستورية اليوم هو أكثر من مجرد إجراء تقني. إنه تأكيد على سيادة الدستور كإطار أعلى لا يمكن تجاوزه. وهو رسالة واضحة بأن استقلالية الصحافة، كضامن للحريات وحجر أساس في البناء الديمقراطي، ليست مسألة تفاوضية. يضع هذا القرار الحكومة أمام مسؤولية إعداد نص قانوني جديد، يكون ثمرة حوار وطني شامل مع جميع الفاعلين المهنيين، يحترم روح الدستور ويلبي طموح بناء صحافة وطنية قوية، مستقلة، وقادرة على أداء رسالتها النبيلة في خدمة الصالح العام، بعيداً عن أي محاولات للتحكم أو الوصاية.
المعتصم بالله

