
يشهد المغرب تحولاً رقمياً متسارعاً يطمح من خلاله إلى ولوج نادي الدول الرائدة في الذكاء الاصطناعي عبر استراتيجية “المغرب الرقمي 2030”. ومع ذلك، يطرح هذا الاندفاع التكنولوجي إشكالات حقوقية وقانونية عميقة تتعلق بحماية الخصوصية الشخصية. ففي ظل تصاعد “الملابسات السيبرانية” والاختراقات التي مست بعض الإدارات، أصبح التساؤل ملحاً: كيف يمكن للمغرب أن يوازن بين رغبته في الابتكار وبين التزامه الدستوري (الفصل 24) بحماية بيانات مواطنيه؟ وهل تُعد الاختراقات الأخيرة مجرد حوادث تقنية أم أنها “مرآة” كاشفة لخروقات بنيوية في تدبير المعطيات؟
الإطار القانوني والحوكمة المؤسساتية
تستند حماية المعطيات في المغرب إلى القانون 09.08 ودور اللجنة الوطنية (CNDP)، وهي ترسانة تتقاطع في مبادئها مع “اللائحة العامة لحماية البيانات” (GDPR) العالمية. تهدف الحوكمة هنا إلى ضمان أن الذكاء الاصطناعي لا يتحول إلى أداة للمراقبة أو “التسليع” للبيانات الشخصية، بل وسيلة لخدمة المواطن في إطار من الثقة الرقمية التي تجمع بين كفاءة الإدارة وحرمة الخصوصية.
الاختراقات ككاشف للواقع الرقمي
شكلت الاختراقات السيبرانية التي تعرضت لها بعض المديريات والشركات المغربية بين (2024-2025) “صدمة رقمية” كشفت عن ثغرات أمنية وإدارية؛ حيث تبين أن بعض الإدارات تفرط في جمع البيانات دون تأمين كافٍ، أو تتداولها عبر قنوات غير محمية. هذا الواقع يضع “الحق في المعلومة” في مواجهة مباشرة مع “الحق في الخصوصية”، ويثير الجدل حول المسؤولية القانونية والأخلاقية للإدارة عند حدوث أي تسريب يمس بكرامة المرتفقين.
تحدي السيادة وتوطين البيانات
تبرز إشكالية “تضارب القيم” عندما يتم تمرير المعطيات الشخصية لأطراف ثالثة بدواعي البحث أو التسويق دون موافقة صريحة، وهو ما يعد انحرافاً جسيماً في استخدام السلطة. لذا، يتجه المغرب اليوم نحو “توطين البيانات” في مراكز سيادية (Data Centers) داخل التراب الوطني، لقطع الطريق أمام أي استغلال خارجي أو تجاري غير مشروع، معتبراً أن المعطيات الشخصية هي امتداد للسيادة الوطنية وللحريات الفردية.
“عسكرة” الوعي.. القوة الصلبة في زيّ ناعم
في سياق أشمل، نجد أن هذه البيانات المخترقة أو “المسربة” قد تصبح وقوداً لما يمكن وصفه بـ “عسكرة الوعي”. لم يعد إسقاط الأنظمة يحتاج إلى فيالق عسكرية؛ ففي عصر السيولة الرقمية، قد تكفي “تغريدة” أو “بيانات مسربة” لزعزعة استقرار مجتمع كامل.
لقد بشرنا “جوزيف ناي” يوماً بـ القوة الناعمة كأداة للجذب، لكن الواقع اليوم يكشف عن قوة صلبة جديدة تتخفى في زيّ رقمي؛ حيث تُستخدم “الروبوتات البرمجية” (Bots) وتقنيات “التزييف العميق” (Deepfakes) لشن هجمات معنوية وسياسية، محولةً الشاشات إلى جبهات قتال صامتة.
المواطن البسيط.. من ضحية إلى درع رقمي
لكن، ماذا عن المواطن البسيط وسط هذا الصراع؟ إن الاستفادة من التكنولوجيا لا تعني المغامرة بالخصوصية. الحماية تبدأ من تفعيل صارم للقانون ومن نشر “ثقافة وقائية” تجعل المواطن شريكاً في الأمن الرقمي. إن قوة الدولة الرقمية لا تُقاس فقط بتقدم خوارزمياتها، بل بمدى قدرتها على حماية بيانات أضعف حلقاتها، وتحويل “المواطن الرقمي” من هدف سهل للابتزاز إلى درع واعٍ يميّز بين الخدمة وبين الاختراق.
المرجعية القانونية والاتفاقيات الدولية (الدرع المؤسساتي)
لا يتحرك المغرب في فراغ تقني، بل يستند إلى منظومة من الالتزامات الدولية والوطنية التي تعزز موقفه في “نادي الكبار”:
اتفاقية بودابست (Budapest Convention): انضمام المغرب لهذه الاتفاقية المتعلقة بالجريمة المعلوماتية يمنحه آلية للتعاون الدولي العابر للحدود لملاحقة القراصنة ومخترقي البيانات.
اتفاقية الاتحاد الإفريقي (اتفاقية مالابو): التي تعكس التزام المغرب بالسيادة الرقمية الإفريقية وحماية المعطيات الشخصية على المستوى القاري.
القانون رقم 05.20: المتعلق بالأمن السيبراني، والذي يحدد القواعد المنظمة لحماية نظم المعلومات التابعة لإدارات الدولة والمؤسسات الحيوية، مما يمنح المديرية العامة لأمن نظم المعلومات (DGSSI) صلاحيات واسعة للتدخل الاستباقي.
الشراكات الاستراتيجية: مثل التعاون مع “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” (OECD) لتنزيل مبادئ الذكاء الاصطناعي المسؤول، واتفاقيات نقل الخبرات مع دول رائدة في الحوكمة الرقمية مثل إستونيا وكوريا الجنوبية.
معركة السيادة والكرامة
إن حوكمة المعطيات في زمن الذكاء الاصطناعي ليست مجرد ترف تقني، بل هي صمام أمان للكرامة الإنسانية. والاختراقات السيبرانية، رغم كلفتها، يجب أن تُستغل كفرصة لإعادة بناء نظام رقمي مغربي يضع “الإنسان” فوق كل اعتبار تجاري.
فالمعركة القادمة لن تكون بين الجيوش، بل بين الخوارزميات، وتطوير الصحافة والوعي الرقمي بالمغرب لم يعد خياراً مهنياً، بل ضرورة أمنية قومية لضمان أن تظل القوة المغربية ناعمة في تأثيرها، صلبة في حمايتها للثوابت.
طه رشيد

