مصانع في الظل وعلامات مزيفة: تحقيق في شبكة الغش التي تشتغل تحت أنظار الدولة

ليس من السهل الحديث عن الغش الصناعي في المغرب بوصفه مجرد “خروقات معزولة”. ما تكشفه المعطيات الميدانية، وشهادات السكان، وتتبع مسار المنتجات المغشوشة، يقود إلى خلاصة أكثر إزعاجاً: نحن أمام منظومة غش متكاملة تشتغل في العلن، وتستفيد من هشاشة الرقابة، وأحياناً من صمتها.
في أحياء شعبية بمدينة فاس، تتحول المنازل والمرائب والمستودعات الصغيرة إلى وحدات إنتاج حقيقية، تشتغل ليلاً ونهاراً، وتُنتج مواد غذائية ومنتجات استهلاكية تحمل علامات تجارية معروفة، لكنها في الواقع مجرد نسخ مزيفة، بلا مراقبة صحية، ولا ترخيص، ولا أثر لأي سلطة تنظيمية.
وحدات “غير مرئية” في قلب المدينة
التحقيق في مواقع هذه الوحدات يكشف مفارقة صادمة. فهي ليست مختبئة في مناطق نائية، ولا في مستودعات معزولة، بل داخل أحياء مأهولة، وسط حركة يومية للسكان. شاحنات صغيرة تدخل وتخرج، مواد أولية تُفرغ، سلع تُشحن بالجملة، وكل ذلك دون أن يثير تدخلاً حازماً.
عدد من سكان هذه الأحياء يؤكدون أن نشاط هذه الوحدات معروف منذ سنوات، وأن الروائح، والضجيج، وحركة النقل، لا يمكن أن تمر دون ملاحظة. السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: كيف وُجدت هذه المصانع؟ بل: كيف استمرت؟
ماذا يُصنَّع؟ ومن يستهلك؟
المواد المنتَجة داخل هذه الوحدات لا تندرج في خانة الكماليات. التحقيق يُظهر أن الأمر يتعلق بمواد غذائية، ومنتجات تُستعمل مباشرة على الجسد، مثل مستحضرات النظافة، وسوائل التنظيف المنزلي. أي منتجات تدخل بيوت المغاربة يومياً، وتصل إلى المستهلك عبر الأسواق الشعبية ومحلات البيع بالتقسيط.
غياب المراقبة هنا لا يعني فقط خرقاً تجارياً، بل تعريضاً مباشراً للصحة العامة للخطر. فلا أحد يعرف مصدر المواد الأولية، ولا شروط التخزين، ولا نسب المواد الكيميائية المستعملة. ومع ذلك، تُسوَّق هذه المنتجات بعلامات مزيفة توهم المستهلك بالجودة والأمان.
الغش أقل كلفة من القانون
المثير في هذا التحقيق ليس فقط حجم الغش، بل منطق استمراره. فبحسب معطيات متقاطعة، فإن عدداً من هذه الوحدات سبق أن خضع لتدخلات جزئية، انتهت بمحاضر أو إغلاقات مؤقتة، قبل أن تعود للاشتغال بعد أسابيع قليلة.
هذا المعطى يطرح إشكالاً خطيراً: حين يصبح الغش أقل كلفة من احترام القانون، يتحول إلى خيار اقتصادي عقلاني. فالعقوبات غير رادعة، والمتابعات بطيئة، والمراقبة موسمية، ما يجعل المخاطرة محسوبة، والربح مضموناً.
أين تقف الدولة؟
التحقيق يقود إلى سؤال مركزي لا يمكن القفز عليه:
أين تقف الدولة من كل هذا؟
القوانين المنظمة لحماية المستهلك موجودة، وأجهزة المراقبة متعددة، والمسؤوليات موزعة بين وزارات وجماعات وسلطات محلية. ومع ذلك، تستمر هذه الوحدات في الاشتغال، وتتوسع شبكات التوزيع، ويظل المستهلك الحلقة الأضعف.
هل نحن أمام ضعف في الإمكانيات؟
أم غياب للتنسيق؟
أم انتقائية في تطبيق القانون؟
أم صمت يُفهم في بعض الحالات كغضّ طرف؟
الغش كمرآة لأعطاب الحكامة
ما يكشفه هذا التحقيق يتجاوز فاس أو قطاعاً بعينه. إنه يعكس عطباً بنيوياً في الحكامة، حيث لا تُقاس قوة الدولة بعدد النصوص القانونية، بل بقدرتها على فرضها دون تمييز، وعلى حماية مواطنيها من أخطار معروفة ومتكررة.
الغش الصناعي، حين يصبح منظومة، لا يهدد فقط صحة المستهلك، بل يقوض الثقة في المؤسسات، ويضرب المنافسة الشريفة، ويفتح الباب أمام اقتصاد ظل أخطر من أن يُواجه بحملات ظرفية.
ما الذي يجب أن يتغير؟
التحقيق يخلص إلى أن المطلوب ليس بلاغات ولا حملات موسمية، بل:
-
تفكيك شبكات الإنتاج والتوزيع لا الاكتفاء بإغلاق المواقع
-
زجر حقيقي يجعل الغش غير مربح
-
محاسبة إدارية وقضائية لكل من يثبت تقصيره أو تواطؤه
-
اعتبار حماية المستهلك ملفاً سيادياً لا هامشياً
لأن الدولة التي تعجز عن حماية غذاء مواطنيها ومنتجاتهم اليومية، تعجز عن حماية الثقة، وهي أخطر ما يمكن أن يُفقد.

