MADINA AR

فيضانات القصر الكبير: حين تكشف الكوارث الطبيعية هشاشة المدينة المنسية

لم تكن الفيضانات التي شهدتها مدينة القصر الكبير مجرد حادث مناخي عابر، ولا يمكن اختزالها في ارتفاع منسوب مياه وادي اللوكوس نتيجة تساقطات مطرية غزيرة. ما حدث خلال الأيام الأخيرة، وأدى إلى إجلاء أزيد من عشرين ألف شخص من أحيائهم، يكشف مرة أخرى عن هشاشة بنيوية عميقة، ظلت المدينة تعيشها منذ عقود، في صمت إداري وسياسي طويل.

صحيح أن التدخلات الميدانية كانت واسعة، وأن القوات المسلحة الملكية، والوقاية المدنية، والسلطات المحلية، أظهرت مستوى عاليًا من التعبئة والتنسيق، وهو ما أنقذ أرواحًا وحدّ من الخسائر البشرية، لكن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بكيفية التدخل بعد الكارثة، بل بسبب تكرار الكارثة نفسها، وبعجز المدينة عن التعايش الآمن مع محيطها الطبيعي.

مدينة بُنيت خارج منطق التخطيط

القصر الكبير ليست مدينة حديثة العهد بالفيضانات. موقعها الجغرافي، وقربها من وادي اللوكوس، ومعطياتها الهيدرولوجية، معروفة منذ زمن طويل. ومع ذلك، استمرت التوسعات العمرانية في الاتجاهات الأكثر هشاشة، دون احترام كافٍ لمخططات التهيئة، ودون إدماج حقيقي لمخاطر الفيضانات في السياسات الحضرية.

أحياء كاملة شُيّدت في مناطق منخفضة، بعضها فوق مجاري مائية طبيعية، أو في فضاءات يفترض أن تكون مناطق عازلة. لم يكن هذا نتيجة جهل، بل نتيجة اختيارات عمرانية قصيرة النظر، تغلّبت فيها منطق السرعة والضغط الديمغرافي على منطق السلامة والاستدامة.

البنية التحتية كحلقة ضعيفة

ما كشفته الفيضانات الأخيرة هو ضعف البنية التحتية الخاصة بتصريف المياه، سواء من حيث القدرة الاستيعابية أو من حيث الصيانة الدورية. شبكات صرف غير كافية، قنوات مسدودة، غياب مساحات خضراء قادرة على امتصاص المياه، وكلها عناصر تجعل المدينة عاجزة عن امتصاص صدمات مناخية أصبحت، بفعل التغيرات المناخية، أكثر تكرارًا وحدّة.

حين تتحول الأمطار من نعمة إلى تهديد، فهذا مؤشر واضح على خلل في التخطيط، لا على “سوء الحظ”.

التدبير الاستباقي… الغائب الدائم

رغم صدور نشرات إنذارية وتحذيرات من تساقطات قوية، فإن السؤال يبقى مطروحًا حول مدى نجاعة التدبير الاستباقي على المدى المتوسط والبعيد. هل تم فعلاً تحصين الأحياء الأكثر عرضة للخطر خلال السنوات الماضية؟ هل جرى الاستثمار في حلول بنيوية دائمة، أم أن التدخل ظل محصورًا في منطق رد الفعل عند كل أزمة؟

الواقع يُظهر أن المقاربة ما تزال تميل إلى معالجة النتائج، لا الأسباب. يتم إجلاء السكان، تُقام حواجز رملية، تُجهَّز مراكز إيواء، ثم تعود الأمور إلى ما كانت عليه، إلى أن تتكرر الكارثة من جديد.

كلفة اجتماعية لا تُقاس بالأرقام فقط

إجلاء أكثر من عشرين ألف شخص ليس رقمًا عاديًا. خلف هذا الرقم توجد أسر فقدت استقرارها، ومنازل تضررت، وممتلكات ضاعت، وأطفال عاشوا الخوف، وأشخاص مسنون وجدوا أنفسهم فجأة خارج فضائهم اليومي. هذه الكلفة الاجتماعية والنفسية نادرًا ما تحظى بالاهتمام الكافي، رغم أنها تتراكم مع كل أزمة.

المدينة التي تُجبر سكانها على النزوح المؤقت كل بضع سنوات، هي مدينة لم تُوفِّر لهم الحد الأدنى من الحق في الأمان الحضري.

الفيضانات كمرآة لا كاستثناء

ما حدث في القصر الكبير لا ينبغي التعامل معه كواقعة معزولة، بل كمرآة تعكس وضعًا أوسع تعيشه مدن كثيرة في المغرب، حيث يتقدم التوسع العمراني على حساب التخطيط، وحيث تُهمّش المدن المتوسطة لصالح مراكز كبرى، دون استثمار حقيقي في بنيتها الأساسية.

غير أن خصوصية القصر الكبير تكمن في تكرار نفس السيناريو، دون أن يرافقه نقاش عمومي جاد حول المسؤوليات، وحول ضرورة مراجعة السياسات الحضرية، وإعادة الاعتبار للمدينة في برامج التأهيل والوقاية من المخاطر الطبيعية.

ما بعد التضامن… ماذا بعد؟

الإشادة بالتدخلات الميدانية ضرورية، لكنها غير كافية. ما تحتاجه القصر الكبير اليوم هو انتقال حقيقي من منطق التدبير الظرفي إلى منطق التخطيط الوقائي. تحتاج إلى رؤية عمرانية جديدة، تُعيد النظر في توطين السكن، وفي حماية ضفاف الوادي، وفي تحديث شبكات الصرف، وفي إدماج معطيات التغير المناخي في كل قرار تنموي.

لأن السؤال الذي تطرحه هذه الفيضانات ليس كيف نُنقذ المدينة عند غرقها، بل لماذا نتركها تغرق مرة بعد أخرى.

القصر الكبير لا تحتاج فقط إلى قوارب إنقاذ، بل إلى قرار سياسي يعترف بأن الهشاشة البنيوية لم تعد قابلة للتأجيل.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى