نعيش اليوم مفارقة صارخة تكشفها الأرقام العالمية دون مواربة. ففي عالم يعاني فيه أزيد من 2.4 مليار إنسان من الإجهاد المائي، ويعتمد نحو 1.7 مليار شخص على مياه ملوثة تهدد صحتهم وحياتهم، ما تزال تقارير التنمية الدولية تصر على تسويق خطاب “الوفرة التكنولوجية” وقدرة الابتكار على حل كل الأزمات. غير أن الواقع، حين ننظر إليه من زاوية حياة الناس اليومية، يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. أزمة المياه لم تعد مجرد تحدٍّ طبيعي ناتج عن قلة التساقطات أو تغير المناخ، بل تحولت إلى معضلة حوكمة بامتياز، حيث تُستنزف الموارد تحت ضغط أولويات اقتصادية ضيقة، تُقدَّم فيها الربحية على الحق في الحياة.
في المغرب، كما في كثير من بلدان الجنوب، تتجسد هذه المعضلة في شكل دراما إنسانية صامتة. فمن جهة، هناك قوة عالمية هائلة يمثلها الذكاء الاصطناعي، القادر فعليًا على تحسين تدبير المياه، وترشيد استعمالها، والتنبؤ بالأزمات قبل وقوعها. ومن جهة أخرى، هناك ضعف إرادة سياسية محلية، لا يتعلق بنقص الوسائل، بل بسوء توزيع الموارد واختلال سلم الأولويات. بين هذين القطبين، يتشكل صراع غير معلن بين منطق الإنقاذ ومنطق الاستنزاف.
الذكاء الاصطناعي اليوم ليس فكرة مستقبلية، بل أداة قائمة تُستخدم فعليًا في تحسين كفاءة استعمال المياه في الزراعة بنسبة قد تصل إلى ثلاثين في المائة، وفي تقليص فاقد شبكات التوزيع، وفي التنبؤ بموجات الجفاف قبل أشهر من حدوثها. هو، من حيث الإمكانات، خط الدفاع التقني الأول للبشرية في مواجهة شح المياه. لكن في المقابل، يفرض التغير المناخي واقعًا أكثر قسوة. فعدد الأشخاص المعرضين للهشاشة المائية تجاوز 3.6 مليار، وأنماط التساقطات أصبحت أكثر تطرفًا، تحوّل المطر من نعمة منتظرة إلى فيضان مدمر، وتجعل الجفاف أكثر تكرارًا وحدة. ما توفره التقنية في سنوات، يبتلعه المناخ في مواسم قليلة.
غير أن أخطر ما في هذه المعادلة ليس الصدام بين التقنية والمناخ، بل الفجوة الحاكمة التي تفصل بينهما. فالتقديرات تشير إلى أن تلبية احتياجات العالم من المياه تتطلب استثمارات في حدود 6.7 تريليون دولار بحلول سنة 2030، بينما سيؤدي الفشل في الإدارة والحوكمة إلى رفع الكلفة إلى أكثر من 22 تريليون دولار في أفق 2050. الفارق هنا ليس علميًا ولا تقنيًا، بل سياسي بامتياز. القرار العمومي هو الذي يحدد إن كنا نتجه نحو النجاة أو نحو الانهيار.
في هذا السياق، لا يبدو المغرب استثناءً، بل نموذجًا مصغرًا ومكثفًا لهذه التناقضات العالمية. فبينما تُشيد الدولة بمحطات تحلية المياه، وتتباهى بإدماج أدوات رقمية متقدمة، تُهدر كميات هائلة من مياه الأمطار في البحر، أو تتحول إلى فيضانات مدمرة بسبب بنية تحتية غير قادرة على التكيف مع التطرف المناخي. ما يحدث هنا ليس نقصًا في المعرفة، بل فشل في التكيف والتخطيط الاستباقي.
تجربة “المخطط الأخضر” تمثل أوضح تجليات هذا الخلل. فرغم ما حققه من ارتفاع في الصادرات الفلاحية التي بلغت عشرات المليارات من الدراهم، فقد كان ثمن ذلك استنزافًا مقلقًا للفرشات المائية، خاصة في مناطق مثل سوس، حيث تجاوز الاستغلال الحدود الطبيعية للتجدد. وفي الوقت نفسه، تراجعت القدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي في مواد أساسية مثل القمح، ليبقى المواطن رهين تقلبات السوق العالمية. في هذا النموذج، تحوّل الماء إلى سلعة موجهة للتصدير، لا إلى حق أساسي مرتبط بالحياة والأمن الغذائي.
حتى التساقطات المطرية الأخيرة، التي رفعت نسبة ملء السدود، كشفت بوضوح عن منطق الأولويات. توزيع المياه تم بطريقة تُفضّل الزراعات التصديرية والأشجار المثمرة على حساب المحاصيل الاستهلاكية المرتبطة مباشرة بقوت المواطنين. في هذه اللحظة، يتضح أن الذكاء الاصطناعي، حين يُستخدم، لا يُوظَّف لخدمة العدالة المائية، بل لتحسين ربحية النموذج القائم نفسه، بكل اختلالاته.
طريق الخروج من هذا المأزق لا يمر عبر المزيد من التقنية وحدها، بل عبر قلب جذري لمنطق الحوكمة. الأمن المائي والغذائي للمواطن يجب أن يصبح جزءًا من مفهوم الأمن القومي، لا مسألة ثانوية تُدار بمنطق السوق. كل متر مكعب من الماء ينبغي أن يُقاس بقدرته على تقليص كلفة العيش، لا بقدر ما يدره من عملة صعبة.
كما أن الذكاء الاصطناعي، بدل أن يكون أداة لتعميق الفوارق، يمكن أن يتحول إلى وسيلة لتحقيق العدالة التوزيعية، وحماية الموارد غير المتجددة، ودعم صغار الفلاحين، وضمان استدامة المحاصيل الاستراتيجية. لكن هذا التحول لن يحدث دون عقد اجتماعي مائي جديد، يخرج الماء من منطق التسليع إلى منطق الحق، ويربط ازدهار القطاعات الكبرى بمسؤوليتها في تمويل حلول عادلة ومستدامة، ويحمي الفئات الهشة من ارتفاع فواتير الماء والغذاء.
في النهاية، أزمة الماء ليست فقط أزمة مناخ أو تقنية، بل مرآة تعكس ضمير المجتمعات وقدرتها على الاختيار. كل قطرة تُهدر أو تُصدر دون حساب، هي في الحقيقة جزء من السيادة والأمن يُفرَّط فيه. المستقبل لا يحتمل استمرار هذه الازدواجية بين خطاب تقني لامع وواقع معيشي قاسٍ. إما أن ننجح في الجمع بين الذكاء الاصطناعي العالمي وحوكمة محلية عادلة تضع الإنسان في قلب القرار، أو نستعد لعالم سيكون فيه الصراع على قطرة الماء أشد من أي صراع آخر.
فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، لن ينقذنا من العطش، إذا كنا نفتقر إلى الذكاء الأخلاقي والسياسي الذي يجعل من الماء حقًا مشتركًا، لا مجرد مورد يُستنزف باسم الربح.