وصية غوتيريش: حين يصبح حل الدولتين آخر جدار في وجه الانهيار الأخلاقي

كلمات أنطونيو غوتيريش الأخيرة بشأن فلسطين لا تبدو مجرد موقف أممي تقليدي، بل أقرب إلى شهادة سياسية وأخلاقية تُسجَّل في لحظة انسداد تاريخي. فحين يقول الأمين العام للأمم المتحدة إن لا سلام من دون إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، فإنه لا يضيف جديدًا إلى قاموس القرارات الدولية بقدر ما يعيد وضع المرآة أمام عجز النظام الدولي عن تنفيذ ما أقرّه بنفسه منذ عقود. الجديد هنا ليس المضمون، بل نبرة الاستعجال التي تقول بوضوح إن الوقت ينفد، لا على مستوى العملية السياسية فقط، بل على مستوى المعنى ذاته لما تبقى من القانون الدولي.
غوتيريش، وهو يغادر منصبه، لم يساوم على اللغة. وصف الوضع في غزة بالهش للغاية، وذكّر بأرقام القتلى بعد وقف إطلاق النار، وبالقيود التي تعرقل وصول المساعدات، وبالضغوط التي تطال المنظمات الإنسانية، وعلى رأسها الأونروا. هذا التذكير المتراكم ليس تقريرًا إخباريًا، بل لائحة اتهام صريحة لواقع تُدار فيه الأزمة الفلسطينية بمنطق الإطفاء المؤقت للحرائق، لا بمنطق الحل. فحين تُعطَّل المساعدات، ويُجرَّم العمل الإنساني، وتُستباح المنشآت الأممية، يصبح السؤال أقل عن تفاصيل النزاع وأكثر عن قيمة المنظومة التي يفترض أن تحمي المدنيين.
الأخطر في خطاب غوتيريش هو تشخيصه لما يحدث في الضفة الغربية، حيث يتسارع الاستيطان وتتعمق سياسات الهدم والتهجير، وتُفرَغ فكرة الدولة الفلسطينية من محتواها المادي والجغرافي. الإشارة إلى مخطط البناء في منطقة E-1 ليست تقنية، بل سياسية بامتياز، لأنها تمس جوهر التواصل الجغرافي الذي يجعل أي دولة قابلة للحياة. هنا يتضح أن حل الدولتين لا يُقوَّض بالتصريحات الرافضة له فقط، بل بالوقائع اليومية التي تُراكمها القوة على الأرض، فيما يكتفي المجتمع الدولي بالتعبير عن القلق.
في هذا السياق، تبدو دعوة غوتيريش إلى احترام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وكأنها اختبار أخير لصدقية النظام متعدد الأطراف. فالقانون، حين يُستدعى انتقائيًا، يفقد قدرته الردعية، ويتحول إلى خطاب أخلاقي بلا أدوات. وما يضاعف هذا التناقض أن الأمم المتحدة نفسها، ممثلة في أجهزتها الإنسانية، تتعرض للتضييق، بينما لا تملك سوى الإدانة والدعوة. إنها مفارقة قاسية: المنظمة التي صاغت إطار الحل تُحاصَر حين تحاول تخفيف كلفة غياب هذا الحل.
حديث غوتيريش عن غزة كجزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية هو رد مباشر على محاولات الفصل الجغرافي والسياسي التي تُدار منذ سنوات. لكنه أيضًا تذكير بأن أي مقاربة تُبقي غزة في حالة استثناء دائم، أو تُخضعها لترتيبات أمنية بلا أفق سياسي، إنما تؤسس لدورة عنف جديدة. الحكم الموحد والشرعي لغزة والضفة والقدس الشرقية ليس تفصيلاً إداريًا، بل شرط الاستدامة لأي سلام، وإلا تحوّل وقف النار إلى هدنة هشّة فوق ركام.
اللافت أن الأمين العام لم يكتفِ بوصف الأزمة، بل وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية واضحة، داعيًا إلى التحرك بوحدة وتصميم. غير أن هذه الدعوة تصطدم بواقع انقسام دولي، حيث تُشل الإرادة الجماعية بفعل حسابات القوة والفيتو والمصالح المتشابكة. هنا تصبح “الوصية” أقرب إلى سؤال موجّه للعالم: هل ما زال حل الدولتين خيارًا جديًا أم مجرد صيغة تُستعمل لتأجيل الاعتراف بفشلٍ مُعلن؟
في النهاية، لا تحمل كلمات غوتيريش وعدًا بسلام قريب، لكنها تكشف خطًا فاصلًا بين مسارين. إما ترجمة القانون الدولي إلى فعل، بما يعنيه ذلك من مساءلة وإنهاء للاحتلال ووقف للاستيطان وحماية للمدنيين، وإما استمرار الانزلاق نحو هاوية يُصبح فيها العنف هو اللغة الوحيدة المتداولة. بين هذين الخيارين، تبدو وصية الأمين العام تذكيرًا مؤلمًا بأن السلام لا يولد من إدارة الأزمة، بل من إنهاء أسبابها، وأن الدولة الفلسطينية لم تعد بندًا تفاوضيًا، بل شرطًا أخلاقيًا لبقاء ما تبقى من عدالة دولية.

