MADINA AR

التعمير بين خدمة القانون وريع القرابة: حين تتحول الإدارة إلى مكتب استشارة غير معلن

ما تكشفه الأبحاث الإدارية الجارية حول تحويل ملفات التعمير إلى ما يشبه “مكاتب استشارية عائلية” ليس مجرد انحرافات معزولة داخل بعض الجماعات، بل عرضٌ مكثف لمرض بنيوي قديم اسمه استباحة السلطة التقنية حين تغيب الرقابة الفعلية وتختلط الوظيفة العمومية بالمصلحة الخاصة. فحين يصبح الموظف أو التقني الذي يفترض فيه تسهيل المساطر وحماية القانون، طرفًا خفيًا في شبكة استشارات تفرض نفسها بالقوة الناعمة أو بالتعطيل المقصود، نكون أمام إعادة إنتاج صريحة للريع داخل أحد أكثر القطاعات حساسية وتأثيرًا في حياة المواطنين والاستثمار.

المعطيات المتداولة عن عرقلة الملفات، وتأخير الرخص، وإغراق المرتفقين بطلبات وثائق تعجيزية، لا يمكن فصلها عن منطق الابتزاز الإداري الذي يحوّل الخدمة العمومية إلى بوابة إجبارية للسمسرة المقنّعة. هنا لا تُطلب الرشوة مباشرة، بل يُدفع المواطن أو المستثمر دفعًا إلى “الاختيار الحر” لمكتب بعينه، غالبًا ما يكون مرتبطًا بقرابة عائلية أو شراكة مستترة مع من يمسك بخيوط القرار داخل قسم التعمير. الحرية هنا شكلية، لأن البديل هو الانتظار المفتوح أو الرفض غير المعلل أو الضياع بين المكاتب.

الأخطر في هذه الوقائع ليس فقط وجود مكاتب استشارية بأسماء أقارب أو شركاء صوريين، بل تطبيع هذا السلوك داخل الإدارة إلى حد تحوله إلى ممارسة شبه عادية. حين تتكرر أسماء مكاتب بعينها في آلاف الوثائق، وحين تُستعمل أختام مهندسين بطرق ملتوية، وحين يُستعان بسماسرة لتوجيه المرتفقين، فإننا لا نكون أمام تجاوز فردي، بل أمام منظومة صغيرة مكتملة الأركان تعمل داخل الجماعة وتستفيد من صمتٍ أو تواطؤٍ أو عجزٍ رقابي.

تسريع الأبحاث بتوجيه من المصالح المركزية لـ وزارة الداخلية خطوة إيجابية في ظاهرها، لكنها تطرح في العمق سؤالًا مقلقًا: لماذا احتاجت هذه الممارسات إلى هذا القدر من التراكم حتى تتحرك الآلة الرقابية؟ وكيف أمكن افتحاص آلاف الوثائق اليوم، بينما كانت تُمرَّر بالأمس دون إنذار؟ هذا السؤال لا يستهدف الأبحاث الجارية بقدر ما يضع منظومة المراقبة القبلية والآنية موضع مساءلة، لأن الزجر بعد استفحال الريع لا يعوّض سنوات من الاستنزاف المعنوي والاقتصادي.

في قطاع التعمير، لا تُقاس الخسارة فقط بالأموال والعمولات غير القانونية، بل بتآكل الثقة في الدولة نفسها. فالمواطن الذي يُدفع إلى مكتب “مستشار” ليحصل على حقه، يتعلم درسًا قاسيًا مفاده أن القانون لا يعمل إلا عبر وسطاء، وأن الإدارة لا تُفتح إلا بمفاتيح غير رسمية. هذا الوعي السلبي أخطر من أي خرق تقني، لأنه يعيد إنتاج الريع اجتماعيًا، ويحوّل الفساد من استثناء إلى قاعدة صامتة.

كما أن الأثر الاقتصادي لهذه الممارسات لا يقل خطورة. تعطيل المشاريع الصغيرة، ورفع كلفة البناء، وتوجيه الاستثمار نحو من يملك القدرة على الدفع أو العلاقات، كلها عوامل تخنق التنافسية وتفرغ خطاب تشجيع الاستثمار من مضمونه. لا يمكن الحديث عن إصلاح مناخ الأعمال بينما يُدار التعمير بمنطق القرابة والعمولات، ولا يمكن إقناع المستثمر بالشفافية في مواجهة إدارة تُدار في الظل.

إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في تحديد المسؤوليات الفردية، بل في تفكيك الشروط التي سمحت بتحويل أقسام التعمير إلى مفاصل ريع. ذلك يمر عبر رقمنة كاملة وشفافة للمساطر، وتحديد آجال قانونية ملزمة لا يمكن الالتفاف عليها، وربط المسؤولية بالمحاسبة دون انتقائية، والأهم حماية المرتفق الذي يرفض الخضوع للابتزاز بدل تركه وحيدًا في مواجهة الإدارة.

ما لم يتحول هذا الملف من أبحاث ظرفية إلى لحظة إصلاح عميق، فإن ما يجري اليوم في جماعات محددة قد يعاود الظهور غدًا بأسماء جديدة وأساليب أكثر حذرًا. لأن الريع، حين لا يُضرب في جذوره، لا يختفي، بل يتقن التخفي. وفي التعمير كما في غيره، لا يكفي أن نكشف “المكاتب العائلية”، بل أن نعيد للدولة معناها البسيط: إدارة في خدمة الحق، لا حق يُنال عبر الإدارة.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى