برعاية واشنطن.. مدريد تجمع أطراف نزاع الصحراء ومقترح مغربي موسّع قيد النقاش

تأتي المحادثات الرباعية التي تحتضنها مدريد برعاية أمريكية في لحظة إقليمية ودولية دقيقة، تتقاطع فيها حسابات الأمن، والتحولات الجيوسياسية، وضغوط الزمن على نزاع طال أمده دون أفق حاسم. فعودة واشنطن إلى لعب دور مباشر في ملف الصحراء، عبر مبعوثها الخاص، لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يتميز بإعادة ترتيب الأولويات الأمريكية في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، حيث بات الاستقرار السياسي شرطًا ملازمًا لمعادلات الأمن والطاقة والهجرة.
المقترح المغربي الجديد، الذي قُدّم في صيغة موسّعة وأكثر تفصيلاً، يعكس في جوهره رغبة الرباط في نقل النقاش من مستوى الشعارات والمواقف المبدئية إلى مستوى هندسة الحل، بما يحمله ذلك من توزيع للصلاحيات، وضمانات سياسية ومؤسساتية، ومحاولة استباق أي فراغ قد تستثمره أطراف أخرى داخل الإقليم. فالرهان المغربي لا يبدو مقتصرًا على كسب نقاط تفاوضية، بقدر ما يسعى إلى تثبيت تصور عملي يُقاس بمدى قابليته للتنفيذ والاستدامة.
في المقابل، يدخل باقي الأطراف هذا المسار وهم مثقلون بإكراهات متباينة. الجزائر تجد نفسها أمام معادلة دقيقة بين التمسك بموقفها التقليدي، وضغوط التحولات الإقليمية والدولية، في وقت تتزايد فيه الرهانات على الاستقرار بدل إدارة النزاعات المفتوحة. أما جبهة البوليساريو، فتواجه تحديًا مضاعفًا يتمثل في تراجع الزخم الدولي حول أطروحة الاستفتاء، مقابل صعود مقاربات تعتبر الواقعية السياسية أساس أي تسوية ممكنة.
اللافت في هذه الجولة هو الحضور الأمريكي بصيغة الراعي لا الوسيط التقليدي، ما يوحي برغبة في اختبار حدود الممكن سياسيًا، دون فرض حلول جاهزة. وهو ما يفسر الحرص على إشراك أطراف النزاع المباشرين، مع الإبقاء على هامش مناورة يسمح بقياس ردود الفعل قبل أي انتقال إلى مراحل أكثر حساسية.
في المحصلة، لا يمكن اعتبار محادثات مدريد اختراقًا حاسمًا بقدر ما تمثل لحظة اختبار جديدة: اختبار لمدى استعداد الأطراف لمغادرة منطق إدارة الأزمة نحو أفق تسوية تدريجية، واختبار لجدية المجتمع الدولي في مرافقة حل لا يُنتج منتصرًا ومهزومًا، بل يحدّ من كلفة نزاع استنزف المنطقة لعقود. وما ستكشفه الأسابيع المقبلة هو ما إذا كانت هذه الدينامية ستُترجم إلى مسار تفاوضي متماسك، أم ستظل حلقة إضافية في سلسلة محاولات لم تنضج بعد.

