فيضانات تطوان: حين تتحول الطريق إلى فخ قاتل

لم يكن مساء السبت عاديًا في دوار لمواوجة، التابع لجماعة بني حرشن بإقليم تطوان. في لحظات قصيرة، تحولت الطريق الإقليمية رقم 4704 من ممر يفترض أن يربط الناس بحياتهم اليومية، إلى مسرح مأساة إنسانية انتهت بمصرع ستة أشخاص، بينهم أطفال، واستمرار البحث عن مفقود خامس، في حادث يعيد طرح أسئلة ثقيلة حول السلامة والوقاية في المناطق القروية.
السيول القوية باغتت سيارة خفيفة كانت تقل خمسة أشخاص، عند أحد الروافد الرئيسية لوادي الرميلات. لم يكن هناك إنذار، ولا حاجز، ولا إشعار بالخطر. دقائق قليلة كانت كافية لتجرف المياه السيارة ومن فيها، وتحوّل رحلة عادية إلى فاجعة عائلية ستظل آثارها محفورة في ذاكرة المنطقة.
عمليات البحث والإنقاذ، التي باشرتها السلطات المحلية والأمنية ومصالح الوقاية المدنية، كشفت عن حجم التعبئة بعد وقوع الكارثة. فرق غطاسين، كلاب مدربة، طائرات بدون طيار، ومتطوعون من الساكنة، كلهم شاركوا في محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه. غير أن سرعة التدخل، مهما كانت، لا تمحو السؤال الأساسي: لماذا يُترك المواطن أصلًا في مواجهة هذا الخطر؟
انتشال جثث الضحايا، ومن بينهم طفلة في الرابعة عشرة من عمرها، وطفل لم يتجاوز عامه الثاني، ثم طفل آخر ورجل في عقده الثالث، أعاد المأساة إلى بعدها الإنساني العميق. هذه ليست أرقامًا في بلاغ رسمي، بل أرواح فقدت في سياق كان يمكن، في نظر كثيرين، تفاديه أو على الأقل الحد من مخاطره.
فتح تحقيق قضائي لتحديد الملابسات خطوة ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها. فمثل هذه الحوادث تتكرر مع كل موسم مطري، خصوصًا في المناطق القروية والجبلية، حيث تعبر الطرق مجاري الأودية دون تجهيزات كافية، ودون إشارات تحذير فعالة، ودون إغلاق استباقي عند ارتفاع منسوب المياه. هنا، لا يعود الحادث “طارئًا” بالمعنى الكامل، بل نتيجة ثغرات معروفة ومؤجلة.
المشكلة لا تكمن فقط في قوة الطبيعة، بل في غياب منطق الوقاية. المواطن القروي يسلك الطريق نفسها يوميًا، في غياب معلومات آنية عن المخاطر، وفي غياب بدائل آمنة. وعندما تقع الكارثة، يُستدعى خطاب “الظروف الجوية الاستثنائية”، بينما الواقع يُظهر أن الاستثناء بات قاعدة موسمية.
ما وقع في تطوان يعيد إلى الواجهة سؤال العدالة المجالية. ففي المدن الكبرى، تُغلق الأنفاق وتُحوَّل حركة السير عند أول إنذار. أما في القرى، فيظل المرور عبر الأودية خيارًا وحيدًا، حتى وإن تحولت إلى أفخاخ مميتة. الفرق هنا ليس في شدة الأمطار، بل في قيمة الأرواح داخل السياسات العمومية.
التعاطف واجب، والتعزية مستحقة، لكن الأهم هو استخلاص الدروس. كل ضحية جديدة في مثل هذه الحوادث هي تذكير قاسٍ بأن الوقاية ليست ترفًا، بل مسؤولية مباشرة. وأن الاستثمار في البنية التحتية القروية، وفي أنظمة الإنذار المبكر، وفي إغلاق المسالك الخطرة في الوقت المناسب، يمكن أن ينقذ أرواحًا قبل أن نضطر إلى إنقاذ الجثث.
فيضانات تطوان ليست مجرد حادث مأساوي، بل إنذار جديد.
إنذار بأن الطرق ليست دائمًا طرقًا،
وبأن الصمت بعد الكارثة لا يجب أن يكون نهاية القصة،
بل بدايتها نحو مساءلة حقيقية،
حتى لا تتحول الأمطار المقبلة إلى نعي جديد.

