كيف يؤثّر مكان نشأتك على شخصيتك؟

في أمسية دافئة، نشر الياسمين وخشب العود عبيرهما في قلب مدينة مراكش، بينما استسلم الكبار لغفوتهم بعد صلاة العصر. جلست مع ابنة خالي على “الزليج” البارد في فناء الدار، وتناولنا طبقاً من “الرغيف” المدهون بالعسل وزيت أركان. فجأة، توقفت هي عن الأكل، ووجهت إليّ نظرة يملؤها الفضول الطفولي وسألتني: “هل صحيح أن الناس في السويد يضعون آباءهم في دور العجزة عندما يكبرون؟”
غزت قلبي غصة خفيفة، وأنا ابنة العاشرة التي كبرت في ستوكهولم. أومأت برأسي بخجل وقلت: “نعم، يفعلون ذلك كثيراً”.
واصلت هي تساؤلها باستنكار صادق: “وهل يتركونهم وحيدين في الأعياد أيضاً؟” كان منطقها يحكم سؤالها؛ ففي عالم ابنة خالي، يستوعب البيت الكبير الجميع، ويمثل الجد عمود الخيمة الذي لا يتركه أحد أبداً. أما هي، فلم يستوعب عقلها فكرة التخلي عن الدفء العائلي.
ولأنني نشأت في السويد، رغم جذور والدي المغربية، لم أرَ في استقلالية كبار السن “عقوقاً”، بل اعتبرتها نظاماً اجتماعياً يقدس الخصوصية والاعتماد على النفس. لكن في تلك اللحظة، وسط ألوان مراكش الصاخبة، بدا منظوري السويدي بارداً وباهتاً.
إكتشاف ” الأنا” الأخرى
حولت زياراتي للمغرب رحَلاتي إلى محطات دائمة لاكتشاف ذاتي الأخرى؛ ففي السويد أقدس الوقت والهدوء والمساحة الشخصية، أما في المغرب فأذوب في جماعة صاخبة، حيث يغدو “الوقت” مفهوماً مرناً، ويصبح الضحك العالي لغة تواصل لا تستأذن أحداً.
علمني هذا التباين مدى تأثير الثقافة في طريقة تفكيرنا وشعورنا وسلوكنا. وبدأت أتساءل: لو أن مسار حياتي بدأ في أزقة المدينة العتيقة بمراكش بدلاً من ضواحي ستوكهولم الهادئة، هل كانت قيمي الأخلاقية ستتمحور حول “الجماعة” بدلاً من “الفرد”؟ وهل كان حسي الفكاهي سيميل إلى “التقشاب” المغربي بدلاً من الكوميديا السويدية الجافة؟
العلم يفك شفرة الهوية
حيرت هذه الأسئلة العلماء والفلاسفة لقرون، والآن يقدم مجال “علم النفس عبر الثقافات” إجابات محتملة. تقول إحدى وجهات النظر إن الحمض النووي (DNA) يمنح كل إنسان بصمة فريدة لا تتغير بتغير المكان. لكن تؤكد زيادا أيوريتش، عالمة الوراثة النفسية، أن الحمض النووي وحده لا يحدد هويتنا.
تجسد حياة أيوريتش هذا التساؤل؛ فقد تنقلت بين أوغندا وكندا والمملكة المتحدة قبل أن تستقر في النرويج. تقول أيوريتش: “أدرك بالفطرة أن لكل مكان بصمة لا تمحى من شخصيتي”.
ولفك هذا الاشتباك، يستخدم العلماء دراسات التوائم، حيث يتقاسم التوائم المتطابقون الحمض النووي بالكامل.
و يتشارك التوائم غير المتطابقون نصف جيناتهم فقط.
و بذلك وضع العلماء معادلة بسيطة مفادها ان: إذا أظهر التوائم المتطابقة تشابهاً كبيراً في سمة ما (كالذكاء) مقارنة بالتوائم غير المتطابقة، فإن الجينات تقود الدفة. أما إذا تقارب التشابه رغم اختلاف الجينات، فإن البيئة تفرض سيطرتها.
في عام 2015، نشر باحثون تحليلاً ضخماً في مجلة Nature Genetics (الطبيعة الوراثية). لخص هذا البحث نتائج أبحاث استمرت لنصف قرن وشملت 14 مليون توأم. فحص العلماء كل شيء من التعليم و المعتقدات السياسية إلى الحالات النفسية.
و أعلن العلماء نتيجة حاسمة تفسر ان العوامل الوراثية مسؤولة عن 50% فقط من الاختلافات بين البشر. وهذا يعني أن البيئة والثقافة والتجارب التي عشتها في أزقة مراكش أو شوارع ستوكهولم هي التي تصنع النصف الآخر مني؛ وهي التي تشكل هويتي، وقناعاتي، وردود أفعالي.
تُكمل أيوريتش فكرتها قائلة: “إن هذا الامتزاج بين الطبيعة والتنشئة يصقل شخصياتنا، ويُشكل معتقداتنا وخلفياتنا الثقافية؛ ولأنه مزيج شديد الخصوصية، فمن المستحيل أن تكرره الطبيعة بنفس التفاصيل في مكان آخر”. ولكن، يجدر بنا ملاحظة أن البيئة لا تؤثر بالتساوي على كل صفاتنا، بل يختلف تأثيرها حسب السمة؛ حيث تشير الدراسات إلى أن الوراثة تحكم معدل الذكاء بنسبة تتجاوز 50% في المتوسط. ومن المثير للاهتمام أن الجينات تظهر دورها في تحديد الذكاء بوضوح أكبر كلما تقدمنا في السن مقارنة بمرحلة الطفولة. في المقابل، نجد أن الإنسان يَرِث السمات الشخصية (مثل الانطوائية، العصبية، أو الطيبة) بنسبة أقل تصل إلى 40% تقريباً. وهذا يعني أن البيئة (المكان، التربية، التجارب) تلعبالدور الأكبر في تشكيل “من نكون” اجتماعياً ونفسياً.
رغم أن أيوريتش بطبيعتها شخصية “اجتماعية” ومنفتحة جداً، إلا أنها لاحظت أن العيش في النرويج وضع قيوداً غير مرئية على طريقتها في التعبير. ففي شوارع أوسلو، لا يبدأ الناس عادةً حديثاً عفوياً مع شخص غريب كما هو الحال في بلدان أخرى، وهذا المناخ الاجتماعي الهادئ ترك أثره عليها.
تقول أيوريتش: “بكل صراحة، إذا قارنتُ نفسي الآن بما كنتُ عليه في المملكة المتحدة، سأجد أنني أصبحتُ أقل انفتاحاً”. لكن، وبفضل جيناتها، لن يختفي انفتاحها تماماً؛ فهي لا تزال تنجذب لا شعورياً للأنشطة التي تسمح بالتواصل العفوي. وتوضح ذلك بقولها: “نحن نميل دائماً للبحث عن بيئات تشبهنا جينياً وتسمح لصفاتنا بالظهور”.
…يتبع
أريناس

