مؤشر إدراك الفساد 2025: هل هي “انتكاسة شاملة” أم “تحسن متعثر” في المسار المغربي؟

أعاد صدور نتائج “مؤشر مدركات الفساد” (CPI) لعام 2025، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية و بيان ترنسبرنسي المغرب حول هذه النتائج ، فتح جبهة النقاش المعتادة حول مسار نجاعة السياسات العمومية و الحوكمة في مكافحة الرشوة بالمغرب.مسار ممسجّلًا استمرار تموقع البلاد في منطقة التنقيط المتوسط–المنخفض.
وبينما ركزت القراءات الحقوقية، وعلى رأسها بيان “ترانسبرانسي المغرب”، على منطق الإدانة والتراجع، تبرز حاجة ملحة لقراءة “ديناميكية” تفكك الأرقام بعيداً عن ثنائية النجاح المطلق أو الفشل الشامل.
من الناحية المنهجية، يُسجل عام 2025 تحسناً نسبياً في أداء المغرب؛ حيث ارتقى إلى المرتبة 91 عالمياً بمعدل 39 نقطة، مقارنة بالمرتبة 99 و37 نقطة في العام السابق. ورغم أن هذا الانتقال يبدو طفيفاً، إلا أنه يعكس تحولاً في إدراك بعض الخبراء والفاعلين لفعالية بعض الآليات المعتمدة مؤخراً.
كما لا يمكن إغفال معطى مؤسساتي حاسم يتمثل في خروج المغرب من “اللائحة الرمادية” لمجموعة العمل المالي الدولية (FATF) سنة 2023. هذا المكتسب التقني يؤكد قدرة المنظومة الوطنية على الامتثال للمعايير الدولية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال، وهو وجه من وجوه محاصرة الفساد المالي الذي غالباً ما يتم القفز عليه في القراءات السياسية.
يكمن جوهر المعضلة في التمييز بين نوعين من الإصلاح، النوع الاول، الامتثال المعياري وهو ما نجح فيه المغرب (قوانين غسل الأموال، رقابة النظام المالي).
الثاني، التحول المؤسسي العميق وهو ما يزال متعثراً، حيث يظل “إدراك الفساد” مرتفعاً بسبب ضعف “كلفة الإفلات من العقاب” واستمرار الفجوة بين النصوص القانونية ومآلات التنفيذ.
إن استقرار المغرب لأكثر من عقد في نطاق (37-43 نقطة) ليس دليلاً على انفجار الفساد بقدر ما هو مؤشر على “توازن مؤسساتي مقاوم للتغيير”؛ حيث لا تزال منافع السلوك الفاسد في بعض القطاعات تتجاوز كلفة ارتكابه.
يرى المحللون أن اختزال الأزمة في “غياب الإرادة السياسية” هو تبسيط لظاهرة معقدة. فالفساد في السياقات المتدرجة إصلاحياً غالباً ما يتغذى على:
ضعف التنسيق بين هيئات الحكامة المشتتة، محدودية الأثر العملي لتقارير مؤسسات الرقابة العليا (كالمجلس الأعلى للحسابات) داخل البرلمان و ثقافة الحذر القضائي في متابعة ملفات الفساد الكبرى.
تمثل الاستراتيجية الجديدة للهيئة الوطنية للنزاهة (2025-2030) “فرصة أخيرة” لنقل الملف من الحيز التقني المعزول إلى رهان وطني شامل. إن نجاح هذه الرؤية القائمة على “النتائج” يظل رهيناً بمدى استقلالية الهيئة عن التجاذبات السياسية، وقدرتها على تحويل النزاهة إلى “ثقافة مؤسساتية” وليس مجرد إجراءات زجرية.
إن بيان “ترانسبرانسي المغرب” الأخير، رغم قلقه المشروع، قد سقط في فخ القراءة الأحادية التي تغفل المكاسب الجزئية. والرهان الحقيقي اليوم ليس في إعلان “فشل شامل”، بل في استثمار مؤشر 2025 كأداة “إنذار مبكر” لتفكيك شروط التعثر.
أريناس

