ضوابط جديدة لاستنطاق المشتبه فيهم: خطوة نحو أنسنة العدالة أم اختبار للتنزيل؟

أعادت الدورية الأخيرة الصادرة عن رئاسة النيابة العامة تسليط الضوء على مرحلة حساسة في المسار الجنائي، هي مرحلة استنطاق المشتبه فيهم أمام النيابة العامة. مرحلة ظلّت، لسنوات، محور انتقادات حقوقية بسبب ما يرافقها أحيانًا من اختلالات تمس ضمانات المحاكمة العادلة، خاصة في ما يتعلق بالاعتقال الاحتياطي وظروف التقديم.
الدورية، في مضمونها العام، تحمل رسالة واضحة: الاستنطاق ليس إجراءً شكليًا ولا لحظة تقنية عابرة، بل أول احتكاك مباشر بين المواطن والعدالة، وصورة تأسيسية عن مدى احترام الحقوق والحريات. من هذا المنطلق، شددت على ضرورة التعامل المهني والإنساني مع المشتبه فيهم، واستحضار قرينة البراءة، وعدم اللجوء إلى الإجراءات الماسة بالحرية إلا عند الضرورة القصوى.
من حيث التوجه، تندرج هذه التعليمات ضمن مسار أوسع لتحديث السياسة الجنائية، خصوصًا بعد التعديلات التي أدخلها القانون رقم 03.23 على قانون المسطرة الجنائية. هذه التعديلات عززت حضور حقوق الدفاع، ووسّعت إمكانيات العدالة التصالحية، ووضعت قيودًا أوضح على الحراسة النظرية والاعتقال الاحتياطي، باعتبارهما تدبيرين استثنائيين لا يجوز تحويلهما إلى قاعدة.
اللافت في الدورية هو تركيزها على “أنسنة” الاستنطاق. فالتأكيد على احترام كرامة المشتبه فيهم، وضمان حقهم في الصمت، والإشعار بالتهمة، والاتصال بالمحامي، والاستعانة بمترجم عند الحاجة، يعكس وعيًا متزايدًا بأن العدالة لا تُقاس فقط بسرعة الزجر، بل بجودة الإجراءات واحترام الإنسان، حتى وهو في موضع الاشتباه.
كما أن إيلاء عناية خاصة للفئات الهشة، من أطفال ونساء وأشخاص في وضعية إعاقة، يشكل نقطة إيجابية، خاصة في ظل تقارير سابقة كانت تشير إلى ضعف الحماية الإجرائية لهذه الفئات خلال مرحلة التقديم. تنظيم الأولويات، وفصل الأحداث عن الرشداء، وتخصيص فضاءات ملائمة، كلها عناصر تعزز الطابع الحقوقي للدورية.
في المقابل، يطرح هذا التوجه سؤال التنزيل العملي. فالتجربة القضائية المغربية أظهرت مرارًا أن الفجوة بين النص والتطبيق تظل التحدي الأكبر. فترشيد الاعتقال الاحتياطي، على سبيل المثال، مطلب قديم، لكن نسب اللجوء إليه ما تزال مرتفعة في عدد من القضايا، لأسباب تتراوح بين ضغط الملفات، وثقافة الحذر المفرط، وغياب بدائل فعالة في الممارسة اليومية.
الدورية تدعو بوضوح إلى تفعيل بدائل الدعوى العمومية، وعلى رأسها الصلح الزجري، سواء بمبادرة من النيابة العامة أو عبر وساطة. غير أن نجاح هذا الخيار يظل رهينًا بتغيير الذهنيات، وتوفير الموارد البشرية الكافية، وضمان تكوين مستمر لقضاة النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية، حتى لا يتحول الصلح إلى إجراء شكلي أو استثنائي نادر.
كما أن الدعوة إلى ترشيد التقديم في حالة سراح، وعدم إعطاء تعليمات بالتقديم إلا عند الضرورة، تضع النيابة العامة أمام مسؤولية دقيقة: الموازنة بين حماية المجتمع وضمان الحرية الفردية. وهي معادلة لا تُحل بالنصوص وحدها، بل بالاجتهاد القضائي، وبثقافة حقوقية راسخة.
من زاوية أخرى، فإن ما ورد بشأن التدبير الجيد لفضاءات التقديم، وترشيد الزمن القضائي، وتفادي إرجاع المحاضر إلا عند الضرورة، يعكس إدراكًا لحجم الضغط الذي تعرفه المحاكم. غير أن هذه الحلول التنظيمية تظل محدودة الأثر ما لم تُواكب بإصلاحات بنيوية، تشمل الموارد، والتجهيز، وتخفيف العبء عن النيابات العامة.
في المحصلة، تمثل هذه الدورية خطوة إيجابية على مستوى الخطاب والتوجيه، وتنسجم مع التزامات المغرب الدستورية والدولية في مجال حقوق الإنسان. لكنها في الآن نفسه تشكل اختبارًا حقيقيًا للإرادة المؤسساتية في تحويل المبادئ إلى ممارسة يومية.
فأنسنة العدالة لا تُقاس بجودة الدوريات فقط، بل بمدى شعور المواطن، عند أول مثول له أمام النيابة العامة، بأنه أمام سلطة تحمي القانون والكرامة معًا، لا مجرد جهاز يختزل العدالة في الزجر. والمرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت هذه الضوابط بداية تحول فعلي، أم إضافة جديدة إلى رصيد نصوص حسنة النية تنتظر التفعيل.

