مراسلات الفيضانات تعيد سؤال لغة الإدارة إلى الواجهة: بين الدستور والممارسة

أعادت مراسلات بعض وكالات الأحواض المائية، التي صيغت باللغة الفرنسية خلال تدبير فيضانات أخيرة، الجدل القديم المتجدد حول لغة الإدارة العمومية في المغرب. الجدل هذه المرة لم يأتِ من فراغ، بل تزامن مع أزمات ميدانية استدعت تواصلاً واضحًا وناجعًا مع مختلف المتدخلين والمواطنين، في سياق يفترض فيه احترام التعليمات الوزارية والمقتضيات الدستورية ذات الصلة.
الإشكال لا يتعلق بمجرد اختيار لغوي تقني، بل يمس جوهر العلاقة بين الإدارة والمواطن. فاستمرار تحرير مراسلات رسمية بلغة أجنبية، رغم التوجيهات الصريحة لاعتماد العربية، يطرح تساؤلات حول مدى الالتزام الفعلي بالقانون، وحول المكانة الحقيقية للغتين الرسميتين داخل دواليب القرار العمومي، خصوصًا في لحظات الأزمة.
من الناحية الدستورية، ينص الفصل الخامس من الدستور بوضوح على أن العربية تظل اللغة الرسمية للدولة، إلى جانب الأمازيغية، مع التزام الدولة بحمايتهما وتنمية استعمالهما. غير أن ما يكشفه هذا الجدل هو الفجوة المستمرة بين النص والممارسة. فالدستور، رغم وضوحه، ما يزال في هذا الباب يُطبّق بانتقائية، أو يُؤجَّل تفعيله بدعوى الأعراف الإدارية أو التكوين التقني لبعض الأطر.
عدد من المتابعين يعتبرون أن ما يقع ليس مجرد “سهو إداري”، بل انعكاس لما يمكن تسميته مقاومة لغوية صامتة داخل بعض المرافق العمومية. مقاومة لا تُعلن نفسها صراحة، لكنها تتجلى في استمرار التعامل مع الفرنسية كلغة افتراضية للإدارة، حتى في مراسلات موجهة إلى مؤسسات وطنية أو إلى الرأي العام المحلي.
في المقابل، يربط آخرون هذا السلوك بطبيعة التكوين الأكاديمي والإداري لعدد من المسؤولين، حيث لا تزال الفرنسية تُقدَّم، ضمنيًا، كلغة “الجاهزية” و”الاحتراف”، مقابل العربية التي تُعامل أحيانًا كلغة خطاب سياسي أو رمزي أكثر منها لغة اشتغال فعلي. هذا التصور، مهما كانت خلفياته، يُنتج ممارسة إدارية تُناقض روح الدستور، وتُضعف منسوب الثقة في المؤسسات.
الجدل الذي رافق “مراسلات الفيضانات” كشف أيضًا بعدًا تواصليًا مهمًا. ففي سياق الأزمات، تصبح اللغة أداة إنقاذ، لا مجرد وسيلة شكلية. البلاغ الذي لا يفهمه المواطن، أو الذي يُشعره بالإقصاء، يفقد جزءًا كبيرًا من فعاليته، بل قد يتحول إلى مصدر استياء إضافي. وهو ما يفسر موجة الانتقادات التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تساءل كثيرون عن هوية الجمهور الذي تخاطبه الإدارة حين تختار الفرنسية.

في هذا الإطار، يبرز دور المؤسسات الدستورية ذات الصلة. فالمحكمة الإدارية، من حيث المبدأ، تملك صلاحية إبطال المراسلات المخالفة للقانون. والمجلس الوطني للغات والثقافة يُفترض أن يضطلع بدور تنبيهي واقتراحي في تفعيل الطابع الرسمي للغتين العربية والأمازيغية. غير أن غياب قرارات حازمة، أو آليات تتبع فعالة، يجعل هذه الاختصاصات أقرب إلى الإمكان النظري منها إلى الممارسة اليومية.
من جهة أخرى، لا ينفي هذا النقاش أهمية الانفتاح على اللغات الأجنبية في سياقات محددة، كالتواصل الدولي أو مخاطبة شركاء أجانب. غير أن هذا الانفتاح يجب أن يكون منظمًا، ومكمّلًا، لا بديلًا عن اللغات الرسمية، خاصة حين يتعلق الأمر بمراسلات داخلية أو بلاغات موجهة إلى المواطنين.
في المحصلة، تكشف قضية مراسلات الفيضانات أن إشكال لغة الإدارة في المغرب لم يُحسم بعد، رغم مرور سنوات على دسترة التعدد اللغوي. فالمسألة لم تعد لغوية بقدر ما هي سياسية ومؤسساتية، تتعلق بمدى احترام الدستور، وبقدرة الدولة على تحويل اختياراتها الدستورية إلى ممارسات يومية ملموسة.
اللغة، في النهاية، ليست مجرد وسيلة تواصل، بل عنوان للسيادة، وأداة للثقة، وجسر بين الدولة والمجتمع. وأي تهاون في هذا المجال، خاصة في لحظات الأزمات، لا يُقرأ فقط كلغز لغوي، بل كمؤشر على أعطاب أعمق في الفعل العمومي.

