احتجاج المحامين بين “قانون المهنة” وامتحان استقلال العدالة

اختار النقيب والوزير السابق محمد زيان أن يجعل من محاكمته لحظة سياسية وحقوقية بامتياز. من داخل سجن العرجات، أعلن تضامنه الصريح مع الحراك الوطني الذي يخوضه المحامون ضد مشروع قانون تنظيم المهنة، واضعًا نفسه، بوعي كامل، في قلب هذا الصراع، لا كمتهم فقط، بل كمتقاضٍ يربط مصيره بمصير الدفاع في المغرب.
رسالة زيان، التي جاءت عشية أولى جلسات محاكمته بعد النقض، لا يمكن فصلها عن السياق العام الذي يعيشه قطاع المحاماة. فمشروع القانون الجديد لا يُنظر إليه من طرف الهيئات المهنية كمجرد تعديل تقني، بل كتحول يمس جوهر المهنة، ويعيد طرح سؤال الاستقلالية، وحدود تدخل السلطة التنفيذية في تنظيم الدفاع، بل وفي شروط ممارسة الحق في المحاكمة العادلة.
حين يعلن معتقل سياسي سابق، ومحامٍ مخضرم، تحمّله الكامل لتبعات غياب هيئة دفاعه عن جلسة محاكمته، فهو لا يقوم بحركة رمزية فقط، بل يوجّه رسالة مزدوجة: الأولى إلى زملائه المحامين، مفادها أن المعركة لا تتعلق بامتيازات فئوية، بل بموقع الدفاع داخل منظومة العدالة؛ والثانية إلى الدولة، بأن أي مساس بالمحامي لا يمكن أن يمر دون أن ينعكس مباشرة على المتقاضي.
اللافت في موقف زيان هو ربطه الصريح بين الدفاع والمتقاضين، ورفضه أي تصور يعزل المحامي عن المواطن. فتعطيل الجلسات، في هذا السياق، لا يُقدَّم كضغط مهني ضيق، بل كأثر مباشر لمشروع قانون يثير القلق، ويعيد إنتاج منطق الاختلال في ميزان العدالة. الرسالة هنا واضحة: العدالة ليست مسألة إجراءات فقط، بل علاقة ثقة بين مواطن ومؤسسة، وبين دفاع وقضاء.
ويكتسي هذا الموقف ثقله الرمزي حين يصدر عن شخص يوجد رهن الاعتقال، وفي لحظة كان يُفترض أن يستفيد فيها من إعادة المحاكمة وهو في وضعية سراح. استمرار اعتقاله، رغم انقضاء مدة حكم سابق، يعمّق الإحساس بأن المسار القضائي نفسه بات جزءًا من الجدل العام حول استقلال القضاء، وحدود استعمال المتابعة الجنائية في سياقات سياسية وحقوقية حساسة.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الدولة تجد نفسها اليوم أمام وضعية مركبة. فمن جهة، تسعى إلى تحديث الإطار القانوني لمهنة المحاماة؛ ومن جهة أخرى، تواجه رفضًا واسعًا من الهيئات المهنية التي ترى في المشروع تهديدًا لتوازن دقيق بُني تاريخيًا بين القضاء والدفاع. غياب الحوار الحقيقي، وتأخر التفاعل السياسي مع مطالب المحامين، يزيد من منسوب الاحتقان، ويدفع نحو مزيد من التصعيد الذي يدفع ثمنه، في النهاية، المتقاضون.
قضية زيان، في هذا السياق، تتجاوز شخصه. إنها تتحول إلى مرآة تعكس هشاشة العلاقة بين السلطة والفاعلين الحقوقيين، وتُعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل تُدار إصلاحات العدالة بمنطق الشراكة، أم بمنطق الفرض من أعلى؟
ما يجري اليوم داخل قاعات المحاكم، وخارجها، يؤكد أن معركة “قانون المهنة” لم تعد معركة محامين فقط. إنها اختبار فعلي لمدى استعداد الدولة لحماية استقلال الدفاع، باعتباره شرطًا لا غنى عنه لأي عدالة تُريد أن تكون منصفة، لا مجرد آلية لإصدار الأحكام.

