آيت باعمران بين الرعي الجائر والفراغ القانوني… من يحمي الأرض والإنسان؟
حين تتحول المراعي إلى ساحات حرب

في منطقة ظلت عبر قرون فضاءً للتعايش بين الرحل والمستقرين، تعيش قبائل آيت باعمران اليوم توتراً متصاعداً لم يعد يقتصر على خلافات موسمية حول المراعي، بل تحول إلى صراع مفتوح حول الأرض، والملكية، والعدالة في تطبيق القانون.
ما كان يخضع لأعراف قبلية راسخة تحكمها منظومات مثل “أكدال” لتنظيم الرعي وحماية الموارد، أصبح اليوم محل جدل حاد بين الساكنة المحلية وقطعان وافدة توصف بأنها تمارس “الرعي الجائر”، في ظل اتهامات بوجود شبكات مصالح تستفيد من الوضع القائم.
من الاحتجاج إلى المواجهة
منذ منتصف العقد الماضي، بدأت أولى الاحتجاجات المحلية ضد ما اعتُبر اجتياحاً للمراعي والأراضي الفلاحية. ومع مرور السنوات، تصاعدت حدة التوتر، ووقعت مواجهات خلفت إصابات خطيرة، بل وسقط ضحايا، ما عمّق الشعور لدى السكان بأن المسألة لم تعد خلافاً عابراً، بل أزمة بنيوية.
حادثة جماعة تابيا سنة 2017، التي انتهت بوفاة أحد المواطنين بعد اعتداء مرتبط بنزاع حول الأرض، شكلت منعطفاً حاسماً في وعي الساكنة بخطورة الوضع، لتتوالى بعدها حالات احتكاك في مناطق متفرقة، من تارودانت إلى تخوم المجال الرعوي لآيت باعمران.
الرعاة التقليديون… بين التراث والاستغلال
من المهم التمييز بين الرعاة الرحل التقليديين، الذين شكلوا جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي المغربي، واعتمدوا عبر التاريخ أنظمة بيئية دقيقة لتنظيم الرعي، وبين مستثمرين كبار في تربية الماشية يُتهمون بتوظيف الرعي العشوائي كغطاء لنشاط اقتصادي مكثف يعتمد على قطعان ضخمة.
الرعاة التقليديون أنفسهم يجدون اليوم أنفسهم في وضعية ملتبسة؛ فبعضهم يُستعمل كأجراء لقيادة قطعان لا يملكونها، بينما تتآكل صورتهم في المخيال الجماعي تحت ضغط صراعات لا يتحكمون في خلفياتها.
القانون 113-13… نص موجود وتطبيق معلق
صدر القانون رقم 113-13 سنة 2016 لتنظيم الترحال الرعوي، ووضع إطاراً قانونياً لتحديد المسالك وتنظيم استغلال المراعي، ومنع الرعي في المجالات المحمية، خاصة غابات الأركان.
غير أن الساكنة المحلية تؤكد أن الإشكال لا يكمن في غياب النص، بل في ضعف تفعيله. فالشكايات، بحسب فاعلين محليين، لا تجد دائماً مساراً فعالاً، فيما تستمر حالات الرعي في مناطق متنازع عليها، مما يعمّق الإحساس بوجود تفاوت في تطبيق القانون.
شجرة الأركان… الرمز في دائرة الخطر
غابات الأركان، المصنفة ضمن التراث الإنساني من قبل اليونسكو، ليست مجرد فضاء رعوي، بل منظومة بيئية واقتصادية واجتماعية متكاملة. أي ضغط مفرط عليها، سواء عبر الرعي المكثف أو الاستغلال غير المنظم، يهدد توازنها الهش.
بالنسبة للساكنة، فإن الدفاع عن الأرض ليس دفاعاً عن ملكية خاصة فقط، بل عن مورد طبيعي ورمز ثقافي يشكل جزءاً من الهوية المحلية والوطنية.
أين تكمن العقدة؟
السؤال الذي يتردد في المنطقة ليس فقط: من يخرق القانون؟ بل: لماذا لا يُفعّل القانون بحزم وشفافية؟
بعض الفاعلين المحليين يتحدثون عن نفوذ اقتصادي وسياسي يعرقل المساطر، بينما يرى آخرون أن الإشكال مرتبط بتعقيد الوضع العقاري، وتداخل الملكيات الجماعية والفردية، وضعف الوسائل المتاحة للإدارة الترابية.
بين الروايتين، تبقى الحقيقة الأساسية أن الاحتقان يتصاعد، وأن الإحساس بالغبن يزداد لدى فلاحين يرون ممتلكاتهم عرضة للإتلاف دون حماية فعالة.
نحو مقاربة عادلة ومتوازنة
الحل لا يمكن أن يكون في شيطنة فئة اجتماعية أو تحويل الرعاة إلى خصم جماعي، كما لا يمكن أن يكون في ترك الوضع يتفاقم إلى أن يتحول إلى صراع مفتوح.
المطلوب هو:
-
تفعيل صارم ومتساوٍ للقانون 113-13.
-
تحديد واضح للمسالك والمجالات الرعوية.
-
حماية الملكيات الخاصة والجماعية وفق مساطر شفافة.
-
إشراك الساكنة المحلية والرعاة التقليديين في آليات الوساطة.
-
حماية منظومة الأركان باعتبارها ثروة وطنية.
سؤال الدولة
القضية اليوم ليست فقط قضية رعي، بل اختبار لقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين أنماط عيش مختلفة، وضمان العدالة في تطبيق القانون، وحماية الموارد الطبيعية.
فإذا استمر الشعور بأن القوة الاقتصادية أو النفوذ السياسي يمكن أن يتغلبا على القانون، فإن الثقة في المؤسسات ستتآكل تدريجياً.
أما إذا تم التدخل بحزم وحياد، فإن المنطقة يمكن أن تستعيد توازنها، ويعود “أكدال” رمزاً لتنظيم مشترك لا ساحة صراع.
في النهاية، الرهان ليس على من ينتصر في المواجهة، بل على من يحمي القانون، ويصون الأرض، ويضمن كرامة الإنسان.
طه رشيد

