سياسة المدن

رمضان تحت المجهر… هل تتحول زيارات العمال إلى رقابة فعلية أم إلى سباق استباقي قبل الانتخابات؟

مع اقتراب شهر رمضان، دخلت وزارة الداخلية مرحلة استنفار ميداني واسع، عبر توجيهات مستعجلة إلى عمال الأقاليم والعمالات بضرورة تكثيف الزيارات الميدانية وتتبع المشاريع المفتوحة وتسريع معالجة التعثرات. في الظاهر، يبدو الأمر منسجماً مع منطق الحكامة الاستباقية، خصوصاً في فترة تعرف عادة ضغطاً اجتماعياً متزايداً على الخدمات والأسواق والبنيات الأساسية. لكن في العمق، يفتح هذا التحرك نقاشاً أوسع حول طبيعة العلاقة بين الرقابة الإدارية، الأداء الترابي، والسياق السياسي المرتبط بالاستحقاقات المقبلة.

التوجيهات، وفق المعطيات المتداولة، شملت الوقوف المباشر على جودة إنجاز الأوراش، احترام الآجال الزمنية، معالجة الإكراهات العقارية والتقنية، إضافة إلى تفقد “النقط السوداء” المرتبطة بالمطارح العشوائية، البناء غير القانوني، اختلالات النظافة، الإنارة، الطرق وشبكات التطهير والماء الصالح للشرب. وهي ملفات لا ترتبط فقط برمضان، بل تشكل جوهر جودة العيش اليومي في المدن والقرى.

اللافت في هذا التحرك ليس فقط طابعه الاستعجالي، بل أيضاً أدواته الجديدة. فبعض العمال، حسب المصادر، لجؤوا إلى تتبع ما يُنشر على منصات التواصل الاجتماعي عبر حسابات غير رسمية لرصد الاختلالات بالصوت والصورة والبث المباشر. هذا المعطى يعكس تحوّلاً في أدوات الرقابة، حيث لم يعد الشارع يُقاس فقط بتقارير إدارية، بل أيضاً بما ينشره المواطنون في الفضاء الرقمي.

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل الرقابة الموسمية تكفي لمعالجة أعطاب تراكمت لسنوات؟ فإخراج المسؤولين الترابيين من مكاتبهم إلى الميدان خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لكنها تظل مرتبطة بمدى استمراريتها بعد انتهاء الضغط الرمضاني أو الانتخابي. فالرهان الحقيقي ليس في الزيارة، بل في نتائجها، وفي ترتيب المسؤوليات حين تثبت الاختلالات.

جانب آخر من التوجيهات يتعلق بتسريع تحرير أوعية عقارية لمشاريع اجتماعية، ومنع استغلال البرامج العمومية لأغراض انتخابية. هنا يدخل الملف منطقة حساسة، إذ أن التداخل بين التدبير المحلي والحسابات السياسية ليس جديداً. التحذير من توظيف المال العام في حملات دعائية، أو من توزيع المشاريع وفق حسابات حزبية، يعكس إدراكاً رسمياً لمخاطر تسييس التنمية الترابية، خاصة حين تموَّل بعض المشاريع بسلفات طويلة الأمد قد تثقل كاهل الجماعات بديون مستقبلية.

لكن نجاح هذه المقاربة يظل رهيناً بشرط أساسي: الحياد والصرامة المتساوية. ففتح الأبحاث الإقليمية حول تمويل الصفقات والمشاريع خطوة مهمة، غير أن فعاليتها تتوقف على نشر نتائجها بشفافية، وترتيب المسؤوليات دون انتقائية. فالرقابة الإدارية تفقد معناها إذا تحولت إلى أداة ظرفية بدل أن تكون آلية مؤسساتية دائمة.

رمضان، بحساسيته الاجتماعية وارتفاع منسوب الاستهلاك فيه، غالباً ما يتحول إلى اختبار لقدرة السلطات على ضبط الأسواق وضمان الخدمات. لكن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في تأمين شهر واحد، بل في بناء ثقافة تدبير ترابي مستدام، تجعل الاستنفار حالة استثنائية لا قاعدة موسمية.

في النهاية، قد يكون تحرك وزارة الداخلية رسالة مزدوجة: تحسين جودة الخدمات من جهة، وضبط الإيقاع السياسي مع اقتراب الاستحقاقات من جهة أخرى. غير أن الرهان الحقيقي يبقى في تحويل هذا الاستنفار إلى إصلاح دائم يعيد الثقة بين المواطن والمؤسسات، ويجعل الرقابة ممارسة مستمرة لا استجابة ظرفية لحرارة موسم أو ضغط انتخابي.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى