مجتمع

من سيارات نقل الموتى إلى سؤال الدولة: التعدد الديني وحدود الرموز في الفضاء العمومي

لم يكن الجدل الذي رافق قضية سيارات نقل الموتى مجرد نقاش إداري حول شكل مركبة أو رمز ديني موضوع على هيكلها الخارجي؛ بل كشف، مرة أخرى، عن توتر عميق يعتمل داخل المجتمع المغربي بشأن طبيعة الفضاء العمومي وحدود حضور الرموز الدينية فيه. فالحدث، في ظاهره، تنظيمي بسيط، لكنه في عمقه أعاد طرح أسئلة مؤجلة حول التعدد الديني، وحرية الضمير، وحدود التداخل بين ما هو مدني وما هو عقدي داخل دولة ينص دستورها على مرجعية إسلامية، وفي الآن ذاته يقر بحرية المعتقد ويعترف بروافد الهوية المتعددة.

الارتباك الذي بدا في تدبير النقاش لا يعكس فقط غياب تواصل فعال أو سوء تقدير لحساسية الموضوع، بل يعكس مفارقة أعمق عاشها المغرب لسنوات: خطاب رسمي يتحدث عن “المجتمع الديمقراطي الحداثي”، في مقابل تربية اجتماعية وثقافية كرّست تصورا أحاديا للهوية الدينية، قائمًا على تجانس مطلق لا يعترف بالاختلاف إلا في حدود ضيقة. وعندما تصطدم الإدارة بواقع أكثر تعقيدًا – واقع فيه تعددية فعلية في الاعتقاد، ومواطنون غير متدينين أو غير ممارسين، وأقليات دينية تاريخية – يظهر التوتر فجأة، وكأن المجتمع يكتشف نفسه من جديد.

المشكلة هنا ليست في السيارة، ولا في الرمز، بل في السؤال الذي يفرض نفسه: لمن ينتمي المرفق العمومي؟ هل هو امتداد لهوية دينية بعينها، أم هو فضاء مشترك يخدم جميع المواطنين على قدم المساواة؟ حين يتحول رمز معين إلى جزء من “الهوية البصرية الرسمية”، يختلط الشخصي بالمؤسساتي، ويصبح أي تغيير إداري مؤوّلاً كمساس بالهوية، لا كتطوير تنظيمي. وهذا الخلط هو ما يجعل كل خطوة تحديثية محفوفة بحساسيات متراكمة.

النقاش الذي انفجر حول هذه القضية يبيّن أن المغرب يوجد في لحظة انتقال هادئة لكنها عميقة: انتقال من تصور تقليدي للدولة باعتبارها حارسة لهوية دينية متجانسة، إلى تصور أكثر تعقيدًا لدولة حديثة مطالبة بإدارة التعدد دون أن تفقد مرجعيتها الحضارية. وهذه المعادلة الدقيقة لا يمكن حسمها بقرارات تقنية، بل تحتاج إلى نقاش مجتمعي واسع يشارك فيه الفاعلون الدينيون، والمؤسسات الدستورية، والجامعات، والحركة الحقوقية، والإعلام.

حرية الضمير، التي لم تعد موضوعًا نظريًا أو نخبويًا، أصبحت سؤالاً عموميًا يفرض نفسه مع كل واقعة مشابهة. فهي تتقاطع مع القانون، ومع التربية، ومع الخطاب الديني، ومع تصور المواطن لهويته ومكانته داخل الجماعة الوطنية. وإذا لم يتم تأطير هذا النقاش داخل فضاء مؤسساتي مسؤول، فإن وسائل التواصل ستبقى ساحةً للتجاذب والانفعال، بدل أن تكون جسراً للفهم المتبادل.

إن المغرب، بما راكمه من تاريخ في التعايش بين المسلمين واليهود، وبما يحمله دستوره من اعتراف بتعدد الروافد، يملك من المؤهلات ما يسمح له بخوض هذا النقاش بثقة وهدوء. غير أن الشرط الأساسي لذلك هو الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق المبادرة؛ من ترك المواضيع الحساسة تنفجر عفوياً إلى تنظيم حوار وطني صريح يحدد بوضوح موقع الرموز الدينية داخل الفضاء العمومي، ويؤكد في الآن نفسه أن المرفق العمومي ليس ملكاً لفئة دون أخرى، بل إطاراً جامعاً لكل المواطنين.

في النهاية، ليست القضية قضية شكل سيارة، بل قضية تصور دولة. دولة قادرة على احترام مرجعيتها الدستورية، دون أن تنغلق على ذاتها؛ قادرة على صون الهوية الجامعة، دون أن تلغي اختلاف الأفراد؛ وقادرة، قبل كل شيء، على إدارة الاختلاف باعتباره ثراءً لا تهديدًا. فالمجتمعات لا تُختبر في لحظات الإجماع، بل في قدرتها على تدبير لحظات الجدل، وتحويلها من توتر عابر إلى فرصة لبناء وعي جماعي أكثر نضجًا وتوازناً.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى