إقتصاد

“مناجم” بين قفزة الأرقام وضغط المديونية: هل دخلت المجموعة مرحلة القوة أم بداية اختبار صعب؟

حققت مجموعة “مناجم” خلال سنة 2025 رقم معاملات قياسيًا بلغ 13.7 مليار درهم، بارتفاع قوي وصل إلى 55 في المائة مقارنة بالسنة الماضية. هذا الرقم لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تحسن ظرفي أو نتيجة محاسبية عابرة، بل يعكس تحولًا مهمًا في مسار المجموعة، التي انتقلت من مرحلة الاستثمار الثقيل في المشاريع إلى بداية جني ثمار هذا التوسع على مستوى الإنتاج والمبيعات.

في الظاهر، تبدو الصورة مشرقة: نمو قوي، مشاريع جديدة دخلت حيز الإنتاج، وأسعار معادن داعمة في السوق الدولية. لكن القراءة الاقتصادية الأعمق تفرض طرح سؤال جوهري: هل نحن أمام نمو متين وقابل للاستمرار، أم أمام قفزة كبيرة لكنها محمّلة بتكاليف مالية قد تتحول لاحقًا إلى عامل ضغط إذا تغيرت الظروف الدولية أو تعثرت المشاريع الجديدة؟

المعطيات المتوفرة تشير إلى أن جزءًا أساسيًا من هذا النمو يعود إلى انطلاق الإنتاج في مشروعي “بوتو” و”تيزرت”، اللذين ساهما بأكثر من 3.5 مليارات درهم في رقم المعاملات. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأنها تعني أن المجموعة لم تستفد فقط من ارتفاع أسعار المعادن، بل حققت أيضًا توسعًا فعليًا في قدرتها الإنتاجية. بمعنى آخر، “مناجم” لا تركب فقط موجة الأسواق العالمية، بل بدأت تستثمر في توسيع موقعها داخل هذه الأسواق عبر مشاريع كبيرة أصبحت الآن تدرّ مداخيل حقيقية.

غير أن هذا التحول لم يكن مجانيًا. فقد بلغت الاستثمارات المنجزة خلال سنة 2025 ما يقارب 5.95 مليارات درهم، خُصص نحو 73 في المائة منها لمشاريع تطوير المجموعة. وهذا المستوى من الإنفاق يفسر بشكل مباشر ارتفاع المديونية الصافية الموطدة إلى 12.67 مليار درهم، أي بزيادة سنوية تناهز 23 في المائة. من هنا تبدأ زاوية الحذر الاقتصادي: فالنمو المسجل اليوم هو، في جانب مهم منه، نمو ممول بالاستثمار الكثيف، وبالتالي فهو يحتاج إلى وقت وإلى أداء تشغيلي مستقر حتى يتحول إلى قوة مالية متوازنة.

اقتصاديًا، لا تُعتبر المديونية في حد ذاتها مؤشرًا سلبيًا دائمًا، خاصة عندما تكون مرتبطة بالتوسع وببناء مشاريع منتجة. لكن المعيار الحقيقي ليس حجم الدين فقط، بل قدرة الشركة على خدمته من خلال التدفقات النقدية المستقبلية. فإذا واصلت المشاريع الجديدة الأداء بالمستوى المنتظر، فإن المديونية ستظهر باعتبارها “مديونية نمو” ساهمت في رفع القيمة والإيرادات. أما إذا واجهت المشاريع تعثرات تشغيلية، أو تراجعت أسعار المعادن، أو استمر تأثير تقلبات سعر الصرف، فإن نفس المديونية قد تتحول إلى نقطة ضعف تضغط على هوامش المناورة المالية.

ومن الإشارات الإيجابية التي تمنح بعض الاطمئنان، أن الاستثمارات سجلت تراجعًا خلال الفصل الرابع من سنة 2025 بنسبة 47 في المائة مقارنة بالفصل السابق، وهو ما يعكس استكمال جزء مهم من المشاريع الكبرى ودخولها مرحلة التشغيل. كما أن المديونية الصافية نفسها عرفت انخفاضًا خلال الفصل الرابع، مدفوعة بأولى التدفقات النقدية الناتجة عن المشاريع التي بدأت الإنتاج مؤخرًا. وهذه إشارة مهمة، لأنها توحي بأن المجموعة بدأت تنتقل تدريجيًا من منطق “تمويل التوسع” إلى منطق “تحصيل عائدات التوسع”.

لكن هذا الانتقال الإيجابي لا يزال في بدايته، وهو مشروط بعدة عوامل خارجية وداخلية. فمن جهة، تظل المجموعة مرتبطة بسوق المعادن العالمية، وهي سوق معروفة بتقلباتها الحادة، سواء على مستوى الأسعار أو الطلب الدولي. ومن جهة ثانية، يظل عامل سعر الصرف مؤثرًا، خاصة مع الإشارة إلى أثر تراجع الدولار في النتائج. ومن جهة ثالثة، فإن نجاح المشاريع الجديدة لا يُقاس فقط بدخولها حيز الإنتاج، بل بقدرتها على الحفاظ على مستويات إنتاج مستقرة، وضبط التكاليف، وتحقيق مردودية مستدامة مع مرور الوقت.

هنا تحديدًا تظهر أهمية سنة 2026، التي تبدو سنة حاسمة بالنسبة للمجموعة. فـ“مناجم” تواصل الاستثمار في مشاريع استراتيجية، خاصة مشاريع الكوبالت والغاز بتندرارة، مع توقعات ببدء الإنتاج خلال السنة الجارية. وإذا تمكنت هذه المشاريع من الانطلاق وفق الجدول الزمني المعلن، وبالمردودية المتوقعة، فقد تدخل المجموعة مرحلة أكثر قوة، عنوانها تنويع مصادر الدخل وتحسين التدفقات النقدية وتخفيف الضغط النسبي للمديونية. أما إذا حدثت تأخيرات أو صعوبات تقنية أو تزامن ذلك مع تراجع في أسعار المعادن، فإن صورة النمو ستصبح أكثر هشاشة، وسيعود ملف الدين إلى الواجهة كأحد أهم عناصر الضغط.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن نتائج 2025 تمثل بلا شك نجاحًا مهمًا لمجموعة “مناجم”، لكنها ليست نهاية القصة، بل بداية اختبار جديد. فالقفزة في رقم المعاملات تؤكد أن الاستثمارات الكبرى بدأت تؤتي ثمارها، غير أن التحدي الحقيقي الآن هو تحويل هذا النمو السريع إلى توازن مالي مستدام، لا يعتمد فقط على الظرفية الدولية، بل على قوة التشغيل والانضباط المالي وقدرة المشاريع الجديدة على إنتاج قيمة مستقرة.

في المحصلة، نحن أمام شركة حققت قفزة قوية، لكنها دخلت في الوقت نفسه مرحلة أكثر حساسية. مرحلة لا تكفي فيها الأرقام اللامعة وحدها، بل تحتاج إلى استمرارية، وحسن تدبير للمخاطر، وقدرة على تحويل التوسع إلى قوة مالية طويلة النفس. لهذا، فإن القراءة الأكثر دقة لنتائج “مناجم” في 2025 ليست أنها انتصار نهائي، ولا أنها إنذار مبكر، بل إنها لحظة انتقال بين النجاح الظاهر والاختبار الحقيقي.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى