رسالة من داخل السجن… تهديد بالتصفية و72 ساعة بين يد النيابة العامة

في تطور مثير للقلق، كشف طارق الزفزافي، شقيق ناصر الزفزافي، قائد “حراك الريف”، عن مضمون رسالة خطها ناصر من داخل سجنه بطنجة، تحدث فيها عن “تهديد مباشر بالتصفية الجسدية” عبر تسجيل مصوّر متداول على مواقع التواصل الاجتماعي. الفيديو، الذي ظهر فيه أشخاص يرتدون زياً عسكرياً أجنبياً ويهددون بشكل صريح، أثار موجة استنكار واسعة، لكنه طرح في المقابل سؤالاً أكبر: كيف تتعامل النيابة العامة مع هذا المستوى من التهديد؟ وهل ستتخذ إجراءات مستعجلة كما يطالب المعني بالأمر؟
وفقاً لطارق، فإن ناصر اعتبر الفيديو “سلوكاً خطيراً يمسّ الأمن العام”، ودعا النيابة العامة إلى فتح تحقيق عاجل داخل 72 ساعة، وهي مهلة وضعها بنفسه كآخر خط دفاع قبل الإعلان عن الدخول في إضراب عن الطعام، وربما خطوات نضالية أخرى. الرسالة، بصيغتها المباشرة، ليست مجرد رد فعل غاضب، بل إنذار سياسي وقانوني في آن واحد، لأنها تضع السلطات أمام اختبار جديد مرتبط بملف ظل مفتوحاً منذ أحداث 2017.
ناصر، الذي سبق أن اتُّهم بقيادة أحد أكبر الاحتجاجات الاجتماعية في تاريخ المغرب الحديث، انتقد ما اعتبره “ازدواجية صارخة” في تعامل النيابة العامة مع الشكايات. فهو يرى أن السلطة القضائية تتحرك بسرعة في بعض الملفات المبنية على تدوينات أو شكايات بسيطة، بينما لم تفعل الآليات نفسها تجاه فيديو يتضمن، حسب وصفه، تهديداً واضحاً وصريحاً بالقتل. هذا التناقض، كما يقول، يمسّ جوهر العدالة ويطرح علامات استفهام حول معايير تدخل النيابة العامة.
لكن الأخطر في هذه الرسالة هو حديث ناصر عن أن الأشخاص الذين ظهروا في الفيديو كانوا يرتدون “زيّاً عسكرياً أجنبياً”، وهو ما يضعهم — وفق القانون المغربي — تحت طائلة جنحة انتحال صفة منظمة بالقانون، إلى جانب تهمة “تشكيل عصابة هدفها بث الرعب”، وهما جريمتان من النوع الذي لا يتطلب شكاية شخصية ليفتح فيهما التحقيق، لأنهما يهمّان الأمن العام مباشرة. الرسالة هنا تحمل طابعاً قانونياً واضحاً: الزفزافي لا يشتكي بصفته الشخصية فقط، بل يوجّه اتهاماً بوجود جماعة تتصرف خارج القانون.
وفي سياق متصل، دعا ناصر الزفزافي الرأي العام الوطني والمنظمات الحقوقية الدولية — مثل منظمة العفو الدولية، هيومن رايتس ووتش، وفريدوم هاوس — إلى متابعة الملف عن قرب، معتبراً أن ما يحدث ليس تهديداً لشخص واحد، بل “تهديد لحق الحياة، الذي هو أسمى الحقوق”. هذا النداء يعيد فتح النقاش حول أسباب استمرار الحساسية المرتفعة حول ملف الريف، رغم مرور سنوات على صدور الأحكام.
الشارع بدوره تلقى الخبر بتوجس. فملف حراك الريف لم يغادر الذاكرة الجماعية، وما يزال مرتبطاً بمطالب اجتماعية وحقوقية لم تُحسم. وإذا كانت الدولة قد حاولت طيّ الملف عبر القضاء، فإن رسائل من هذا النوع تُعيده إلى الواجهة، ليس فقط كقضية محلية، بل كجزء من النقاش الوطني حول الحريات، العدالة، وتعامل المؤسسات مع التهديدات التي تستهدف معتقلي الرأي.
الإشكال القانوني المطروح اليوم هو:
هل ستتعامل النيابة العامة مع الفيديو باعتباره تهديداً جدياً يستوجب فتح تحقيق؟
أم أنها ستلتزم الصمت، ما سيُفسّر — حقوقياً وسياسياً — كرسالة سلبية حول حماية الحق في السلامة الجسدية للمعتقلين؟
الـ72 ساعة التي حدّدها ناصر ليست مجرد مهلة زمنية؛ إنها اختبار لجدية الدولة في حماية مواطنيها، بمن فيهم المعارضون أو المعتقلون. وإذا قررت النيابة العامة عدم التحرّك، فإن ذلك قد يؤدي إلى إضراب جديد عن الطعام، وهو المسار الذي لطالما كان مؤلماً، ومكلفاً، ومحمّلاً بإشارات خطيرة داخل السجون المغربية.
في النهاية، ما كشفته رسالة الزفزافي هو أكثر من تهديد عابر. إنه يعكس هشاشة الوضع الحقوقي، وغياباً مقلقاً للتواصل المؤسساتي، ووجود هوة كبيرة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني. وبين الفيديو المتداول ورسالة ناصر، يقف المغرب أمام سؤال واحد:
هل ستُطبّق العدالة بنفس الصرامة، مهما كانت هوية الضحية؟
وهذا السؤال وحده يكفي ليكشف حجم الأزمة.

