من خيمة مهدمة إلى زنزانة… قضية عبد الرحيم أفقير تكشف هشاشة حقوق ضحايا الحوز

في الوقت الذي ما تزال فيه آلاف الأسر المتضررة من زلزال الحوز تعيش تحت الخيام، وسط البرد، والعزلة، وتأخر إعادة الإعمار، تفجرت قضية جديدة أثارت غضباً واسعاً بين الحقوقيين: اعتقال أحد المتضررين بعد شكاية من قائد، فقط لأنه اعترض على هدم خيمته.
الملف لا يتعلق بخلاف بسيط أو سوء تفاهم عابر، بل بقصة تحمل كل علامات سوء استعمال السلطة، الهشاشة، والإجهاز على الكرامة الإنسانية في واحدة من أكثر المناطق تضرراً في المغرب.
عبد الرحيم أفقير، أحد أبناء دواوير جماعة سيدي عبد الله أو سعيد، وُجد نفسه منذ 27 نونبر 2025 رهن الاعتقال على خلفية شكاية تقدّم بها قائد قيادة أكلى. التهم ثقيلة: إهانة موظف عمومي، محاولة إضرام النار، والتحريض. تهم لا يصدقها كثيرون ممن شاهدوا مقاطع الفيديو التي توثق جزءاً من الواقعة.
الفيديوهات المنتشرة تظهر رجلاً بسيطاً يسأل عن سبب هدم خيمتيه، وفي خلفية المشهد تُسمَع نبرة استعلائية، ويظهر تعامل مهين من طرف أشخاص يقومون بالهدم دون تقديم أي وثيقة، دون إشعار مسبق، ودون أي توضيح قانوني.
الهيئة المغربية لحقوق الإنسان، فرع إداومومن، اعتبرت أن الهدم تمَّ تعسفياً وخارج أي مسطرة. الشهادات الحقوقية تقول إن العملية نُفذت في غياب السكان، وإن الخيمتين كانتا في ملكية المواطن المعني، وإن التصوير كشف “تعامل استفزازي مهين” بينما لم يقدّم المسؤول القائم بالإجراء أي تفسير رغم إلحاح المتضرر.
والمثير أن الملف لم يكن وليد اللحظة؛ فقد سبقه صلح سابق بتدخل أعيان المنطقة، ما يطرح سؤالاً خطيراً: لماذا العودة للتصعيد؟ ولمصلحة من إعادة فتح نزاع تم احتواؤه محلياً؟
الأكثر إثارة للتساؤل أن عبد الرحيم أفقير واحد من ضحايا الزلزال الذين لم يستفيدوا من الدعم، رغم أن داره وخيمته كانتا ضمن الفضاء المنكوب. هذا الحرمان، الذي يشمل عدداً كبيراً من الأسر كما تقول الهيئة الحقوقية، يعتبر انتهاكاً اجتماعياً مضاعفاً:
حرمان من الإيواء، حرمان من الدعم، ثم متابعة قضائية بسبب الاعتراض على هدم ما تبقى من مأوى مؤقت.
ملف أفقير لا يكشف فقط شططاً محتملاً في استعمال السلطة، بل يكشف أيضاً عطباً أعمق: غياب الشفافية في إعادة الإعمار، غياب معايير واضحة للدعم، ووجود شعور متزايد لدى المتضررين بأن الدولة لا تتعامل معهم كضحايا بل كأرقام يجب تدبيرها بهدوء.
أحد النشطاء من تنسيقية ضحايا الحوز قال:
“ما يمكنش تعتاقل ضحية فقط لأنه دافع على الخيمة اللي ساكن فيها… هادشي كيضرب الثقة فالمؤسسات كاملين.”
ليس هذا الموقف الوحيد. الهيئة المغربية لحقوق الإنسان دعت إلى:
-
الإفراج الفوري عن المعتقل
-
فتح تحقيق نزيه ومحايد حول ملابسات الهدم والتدخل الأمني
-
تمكينه من جميع شروط المحاكمة العادلة
-
وضع حدّ للهدم التعسفي للخيام دون سند قانوني
القضية أعادت إلى السطح سؤالاً كبيراً:
كيف يمكن أن يتحول ضحية زلزال إلى متهم؟
وكيف يمكن تفسير اعتقال شخص بسبب اعتراضه على هدم خيمته، بينما يعيش آلاف المتضررين في ظروف قاسية منذ أشهر، بين البرد، والانتظار، والتزاحم على لوائح الدعم؟
عدد من الحقوقيين يعتبرون أن ما وقع نموذج واضح لـالظلم المركب:
ظلم بسبب الكارثة الطبيعية،
ثم ظلم إداري،
ثم ظلم اجتماعي،
ثم ظلم قضائي محتمل.
قضية عبد الرحيم أفقير لا تخص شخصاً واحداً… إنها مرآة لواقع أكبر.
واقع يشعر فيه المتضررون بأن صوتهم لا يُسمع، وأن حقوقهم ليست محمية بما يكفي، وأن بعض المسؤولين يمارسون سلطتهم بلا رقابة، كما لو أن الكارثة منحتهم غطاءً إضافياً للتصرف خارج القانون.
والمؤكد اليوم أن الملف لن يمرّ بصمت، لأن دعوات التنديد وصلت إلى منظمات دولية تُراقب وضعية الحريات بالمغرب، في سياق عام يزداد فيه الاحتقان الاجتماعي، وتتزايد فيه الأسئلة حول شفافية الدعم وتدبير مرحلة ما بعد الحوز.
العدالة في هذا الملف ليست مجرد حكم قضائي…
العدالة تعني أولاً: حماية الضحايا، لا معاقبتهم.
وتعني ثانياً: محاسبة أي مسؤول استعمل السلطة خارج القانون.
وتعني ثالثاً: إعادة الثقة إلى منطقة ما زالت تحت الأنقاض، مادياً ومعنوياً.
وفي انتظار جلسة 8 دجنبر 2025، تبقى أعين حقوقيين ومتضررين على هذا الملف الذي قد يتحول إلى اختبار جديد لمدى احترام الدولة لحقوق الإنسان…
خصوصاً حين يكون الضحية بسيطاً، هشّاً، ولا يملك سوى خيمته دفاعاً عن كرامته.

