حقوق وحريات

الإعاقة في المغرب… حين تظل القوانين بلا روح، والحقوق بلا وصول

في مناسبة اليوم العالمي للأشخاص في وضعية إعاقة، أعادت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان فتح واحد من أكثر الملفات التي تُظهر بوضوح الفجوة المؤلمة بين النصّ القانوني والواقع العملي. فبينما يؤكد المغرب التزامه الدولي بمبادئ العدالة والمساواة وعدم التمييز، فإن وضعية آلاف المواطنين من ذوي الإعاقة تكشف عن صورة مغايرة… صورة تعكس بطء الإصلاح، وتشتت المسؤوليات، وضعف الإرادة في تحويل الوعود إلى سياسات ملموسة.

العصبة تقول بوضوح إن هناكهوة واسعة بين ما تتعهد به الدولة وما يعيشه المواطن فعلياً. فالأشخاص في وضعية إعاقة يواجهون عراقيل متراكمة ومتشابكة تبدأ من الولوجيات الغائبة في المدن والإدارات والمستشفيات، ولا تنتهي عند محدودية التمدرس الدامج، وندرة مراكز التكفل المتخصصة، والنقص الحاد في الدعم الأسري والمجتمعي الذي من شأنه أن يضمن حياة كريمة ومستقلة.

وإذا كان القانون المغربي يمنح لهذه الفئة حقوقاً واسعة في التعليم، الصحة، الحماية الاجتماعية، والاندماج المهني، فإن تعثر التنفيذ يجعل هذه الحقوق مجرد عناوين جميلة لا تُترجَم في الواقع.
تقول العصبة إن الوضع أكثر قسوة حين ننتقل إلى الأرقام:
الموارد المالية المخصَّصة لبرامج الإعاقة تبقى “دون مستوى الانتظارات”، والمساطر الإدارية المعقدة تحرم آلاف الأسر من الوصول إلى الدعم، بل وتدفع بعضها إلى التخلي عن المطالبة به من الأساس. أما التنسيق بين القطاعات الوزارية المعنية، فهو حسب البلاغ “شبه غائب”، ما يجعل الحلول مجزأة، متقطعة، وغير قادرة على مواكبة حجم الاحتياجات.

ويبدو أن سوء التدبير لا يقف عند حدود الدعم المالي أو الرعاية الصحية. فغياب التكوين المستمر داخل المؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية يجعل عدداً من الموظفين غير قادرين على التعامل المهني والإنساني مع الأشخاص في وضعية إعاقة، وهو ما ينعكس على جودة الخدمات، ويعمّق الإحساس بالتهميش.

العصبة تشير أيضاً إلى أن الصور النمطية ما تزال تلعب دور حاجز غير مرئي، لكنها شديد القسوة. هذه الصور تجعل الكثيرين يرون في الإعاقة عجزاً، وفي صاحب الإعاقة عبئاً، بدل النظر إليه كمواطن كامل الحقوق. هذا الجدار النفسي، كما تقول العصبة، لا يقل خطورة عن غياب الولوجيات، لأنه يمنع المشاركة السياسية والفعلية في الحياة العامة، ويقيد طموحات الآلاف ممن لا يطلبون سوى تكافؤ الفرص.

ورغم التزامات المغرب الدولية، خصوصاً الاتفاقية الأممية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، فإن الواقع يطرح سؤالاً مؤلماً:
لماذا ما تزال السياسات العمومية تنظر إلى الإعاقة بمنطق الإحسان، بدل من منطق الحق؟
ولماذا لا تزال الأسر تواجه عبئاً ماليًا واجتماعيًا مضاعفاً دون أن تجد دعماً فعلياً يُخفف عنها تكلفة العلاج، الأجهزة، النقل، التعليم، أو حتى التعايش اليومي مع شروط الإعاقة؟

العصبة تؤكد أن الإعاقة ليست مسألة طبية فقط، بل وضع اجتماعي شامل يتقاطع مع التعليم، الصحة، الاقتصاد، الحماية الاجتماعية، التخطيط الترابي، والمدينة. ومن دون رؤية دامجـة، فإن الإدماج سيظل مجرد خطاب احتفالي يُطلق في المناسبات ثم يختفي في اليوم الموالي.

وفي سياق أكثر جرأة، تقول العصبة إن احترام كرامة الأشخاص في وضعية إعاقة يبدأ بإزالة الحواجز التي تمنع مشاركتهم الطبيعية في الحياة العامة والسياسية والحزبية، سواء كانت هذه الحواجز مادية (درج، طرق غير مهيأة، مؤسسات غير مجهزة)، أو قانونية (غياب نصوص واضحة)، أو ثقافية (صور نمطية وإقصاء غير معلن).

أما على مستوى الإصلاح، فهي تطالب بسياسة وطنية حقيقية لا تقوم على الوعود العامة، بل على تحديد دقيق للاحتياجات، تخصيص ميزانيات واقعية، تقييم شفاف للنتائج، وربط المسؤولية بالمحاسبة. لأن أي إخفاق في هذا المجال، كما يقول البلاغ، “يُترجم فوراً إلى معاناة يومية لأسر تعيش في صمت، ولأشخاص محرومين من أبسط مقومات المساواة”.

وفي العمق، المسألة لا تتعلق فقط ببرامج أو لجان أو موازنات، بل بنموذج مجتمعي يقرر:
هل نريد بلداً يضع الأشخاص في وضعية إعاقة في صلب السياسات العمومية، أم نريد أن يظلوا في الهامش، يُذكرون فقط في الخطب الاحتفالية؟

الجواب ليس نظرياً… لأنه مكتوب بوضوح في حياة آلاف الأشخاص الذين يواجهون كل يوم حواجز لا يراها سوى من يعيشها.
والدولة التي تحترم نفسها — تقول العصبة — هي تلك التي تحمي مواطنيها في لحظات هشاشتهم، وتضمن لهم الإمكانات الكاملة للمشاركة الفعلية في المجتمع، بعيداً عن المجاملة، وبعيداً عن الوعود التي لا تجد طريقها إلى الأرض.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى