اليوم العالمي لحقوق الإنسان… حين تعود الشوارع لتقول ما لا تقوله المؤسسات

يحلّ اليوم العالمي لحقوق الإنسان هذا العام على المغرب في واحدة من أكثر الفترات توتراً من حيث الحقوق والحريات، في ظل توسع دائرة الاعتقالات، وتزايد الاحتقان الاجتماعي، وتكرّر التقارير الدولية التي تسجل تراجعاً في المكتسبات. وفي هذا السياق، دعت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إلى تظاهرات سلمية يوم 10 دجنبر، ليس كتقليد سنوي، بل كصيحة جديدة في وجه الانتهاكات، وللتذكير بأن الوعود الرسمية لا تعني شيئاً حين لا تنعكس على واقع الناس.
الجمعية، التي تُعد أكبر منظمة حقوقية في المغرب، قالت إن الاحتجاج هو “واجب أخلاقي” في ظل ما اعتبرته “تنكراً واضحاً من الدولة لالتزاماتها الحقوقية”. ودعت المواطنين إلى النزول للساحات للتعبير الجماعي عن التضامن مع ضحايا الظلم في المغرب وخارجه، معتبرة أن اليوم العالمي لحقوق الإنسان يجب أن يتجاوز الاحتفالية الشكلية ليصبح يوم مواجهة مع السياسات العمومية التي تنتج العنف، والتمييز، وغياب العدالة الاجتماعية.
النداء الذي وجهته الجمعية يستعمل لغة واضحة: انتهاكات مستمرة، عنف، تعسف، وقرارات تضرب روح الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب طوعاً. الرسالة الأعمق هنا أن الحقوق ليست نصوصاً، وليست خطباً رسمية، بل ممارسة يومية تقاس بمدى احترام كرامة الناس في الشارع، في السجون، في المدارس، في المستشفيات، وفي أماكن العمل.
وفي صلب النداء، وُضِع ملف التضامن مع المضطهَدين في العالم، وعلى رأسهم الشعب الفلسطيني. الجمعية اعتبرت أن هذا التضامن ليس “شعاراً”، بل جزءاً من بنية حقوق الإنسان نفسها، لأن الدفاع عن الحقوق لا يتجزأ. لكن ما يجعل هذا النداء مختلفاً عن السنوات السابقة هو المنعطف الداخلي الذي يمر منه المغرب، حيث تحضر ملفات ثقيلة: ضحايا الاعتقالات، سجناء الرأي، ضحايا قمع الاحتجاجات، ومعتقلو حركة جيل زد الذين يواجهون متابعة قضائية واسعة.
وفي هذا الإطار، أعلنت اللجنة الوطنية لمساندة عائلات ضحايا قمع حراك جيل زد عن تنظيم وقفة احتجاجية في اليوم نفسه، للمطالبة بالإفراج عن كافة المعتقلين الشباب الذين خرجوا في مظاهرات سلمية، ولتجديد التضامن مع العائلات التي تعيش منذ شهور بين الخوف، الانتظار، والمحاكمات.
البلاغ الذي أصدرته الجمعية المغربية لحقوق الإنسان يحمل بعداً إنسانياً قوياً، إذ جاء فيه أن التظاهر يوم 10 دجنبر يجب أن يكون صوتاً لكل من:
سُجن ظلماً، تُرك بلا مأوى، قُصف بيته، نزح جوعاً، حُرم من التعليم، عاش تمييزاً، أو فقد حياته بسبب غياب الرعاية.
وهو نداء يتجاوز السياسة المباشرة إلى لغة الكرامة الإنسانية، التي غالباً ما تغيب في النقاش الرسمي حول “الإصلاحات”.
اللافت في بلاغ الجمعية هو تذكيرها بأن المغرب تعهّد دولياً بضمان المساواة، وعدم التمييز، وتكافؤ الفرص، وحماية الحريات الفردية والجماعية. لكن هذه الالتزامات، كما تقول الجمعية، “لا تجد طريقها إلى السياسات العمومية”، حيث تتكرر عمليات الاعتقال التعسفي، وغياب الشفافية في تدبير الملفات الاجتماعية، ومنع الاحتجاجات السلمية، واستعمال القوة المفرطة في بعض المناطق، آخرها الاحتجاجات الشبابية المرتبطة بحراك جيل زد.
في ظل هذه المعطيات، يبدو يوم 10 دجنبر هذا العام يوماً مختلفاً. فهو لا يأتي كاحتفاء رمزي، بل كيوم اختبار جديد لعلاقة الدولة بالمجتمع، ولقدرة المؤسسات على تحمل النقد، ولإرادة السلطات في احترام حرية التعبير والتجمع. فالدعوة إلى الاحتجاج، وهي دعوة قانونية وتدخل ضمن الحرية الدستورية، ستكون في ميزان السلطة: هل ستتعامل معها باعتبارها ممارسة مشروعة؟ أم ستعيد إنتاج نفس المقاربة الأمنية التي دفعت أصلاً إلى توتر المشهد الحقوقي؟
كما أن انضمام اللجنة الوطنية لمساندة عائلات ضحايا قمع حراك جيل زد يحمل رسالة إضافية: ملف هؤلاء الشباب لن يُطوى بالصمت. فاعتقالهم ومحاكمتهم أدخل ملف الحريات في المغرب إلى مرحلة جديدة، حيث أصبح الحديث لا يدور فقط حول “حالات فردية”، بل حول جيل كامل يشعر بالاستهداف وبغياب العدالة.
من جانب آخر، لا يمكن فصل هذا السياق الداخلي عن صورة المغرب خارجياً. فالتقارير الحقوقية الدولية التي صدرت خلال السنة الماضية لم تكن رحيمة، وتحدثت عن تراجع حرية الصحافة، التضييق على المدافعين عن حقوق الإنسان، ومتابعات جنائية مرتبطة بالتعبير. وهذا يجعل دعوة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أكثر من مجرد حدث سنوي؛ إنها محاولة لاستعادة النقاش الحقيقي حول مكانة الإنسان في السياسة العمومية المغربية.
ومهما كان موقف السلطة، فإن ما سيحدث يوم 10 دجنبر سيترك أثراً. فالشوارع حين تمتلئ، ولو بسلمية، فإنها تحمل رسالة واحدة:
هناك من يريد أن يُسمَع، وهناك من عليه أن يستمع.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة البسيطة واضحة:
المغرب لن يتقدم ما لم يشعر مواطنوه بأن حقوقهم مصانة، وأن صوتهم محترم، وأن كرامتهم ليست موضوع تفاوض.

