اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد النساء… حين تكشف المناسبة عمق الجرح واتساع الهوة بين الشعارات والواقع

تُحيي الجمعية المغربية لحقوق الإنسان اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد النساء وهي ترفع شعاراً يلخص كل شيء: “القضاء على كل أشكال العنف رهين بإقرار كافة الحقوق دون تحفظات.”
وهو شعار يختزل المفارقة الكبرى: أننا نملك النصوص، والالتزامات الدولية، والمواد الدستورية، ولكنّ شيئاً ما ينهار في الطريق بين الورق والواقع، حتى أصبحت النساء في المغرب — كما في كثير من مناطق العالم — يواجهن عنفاً مضاعفاً: عنفاً مادياً، وعنفاً رمزياً، وعنفاً اقتصادياً، وعنفاً سياسياً، في عالم تتراجع فيه منظومة الحقوق وتتصاعد فيه النزعات الاستبدادية والمحافظة.
في السياق الدولي، تصف الجمعية اللحظة بأنها الأخطر منذ سنوات. فنساء فلسطين يعشن تحت نار حرب إبادة: قتل وتجويع وتهجير وحصار واعتقال في ظروف لا إنسانية. ونساء السودان بدورهن يواجهن اعتداءات وانتهاكات جنسية في ظل انهيار شبه كامل لمؤسسات الحماية. هذه المآسي ليست “استثناءات”، بل نتائج مباشرة لتراجع احترام حقوق الإنسان، ولصعود القوى اليمينية المتطرفة عالمياً، ولتغول الآلة الإمبريالية والصهيونية كما يسميها البيان، في وقت تتوسع فيه الحروب بالوكالة وتنهار أنظمة الحماية الاجتماعية في دول كثيرة، ما يخلق بيئات هشّة يزدهر فيها العنف ضد النساء.
ولا يقف الأمر عند الحروب. فالجمعية تشير إلى أن الحركة النسائية التقدمية في المنطقة المغاربية والعربية تتعرض لتهديدات متزايدة: حملات التشويه، تصاعد خطاب الكراهية، التضييق على الجمعيات، إغلاق المساحات المدنية، وصعود الخطابات المحافظة التي تسعى إلى إعادة النساء إلى الهامش، ومحاصرة أي محاولة لبناء مجتمع قائم على المساواة.
في هذه الأجواء العالمية، يأتي الوضع الوطني ليعكس نفس الصورة بحدة أكبر. فالسنة الجارية تميزت — كما تقول الجمعية — بتدهور مستمر للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، نتيجة هيمنة اقتصاد الريع وغياب ربط المسؤولية بالمحاسبة وارتفاع الفساد. هذه العوامل مجتمعة أدت إلى ارتفاع نسب الفقر، وإلى أوضاع قاسية بالنسبة للنساء العاملات، خصوصاً العاملات الزراعيات والعاملات في المناولة، اللواتي يشتغلن بأجور زهيدة، في ظروف غير آمنة، ويتعرضن لحوادث قاتلة أثناء التنقل. وقد سُجلت وفاة أكثر من 20 امرأة خلال سنة 2025 فقط، بين ضعف الخدمات الصحية، وحوادث نقل العاملات، والعنف الأسري.
ورغم الخطاب الرسمي حول “مناهضة العنف ضد النساء”، تشدد الجمعية على أن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس. فالتمييز ما يزال ممنهجاً، والصور النمطية مستمرة، والمناهج التعليمية ووسائل الإعلام تعيد إنتاج نظرة دونية تجاه المرأة، بينما تبقى القوانين غير كافية لحمايتها، وتُنفذ بشكل جزئي أو انتقائي. وهذا يعني ببساطة أن الإرادة السياسية في المغرب لم تصل بعد إلى مستوى الرهانات التي تفرضها المرحلة.
وما يزيد الصورة قتامة هو أن النساء كن في الصفوف الأمامية للاحتجاجات الاجتماعية خلال السنة، سواء في المناطق المتضررة من التهميش، أو في الوقفات المطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي جيل Z. العديد من الشابات تعرضن للعنف والتحرش خلال تفريق الاحتجاجات، ما يعكس تداخل العنف السياسي مع العنف المبني على النوع الاجتماعي.
في ضوء هذه المعطيات، تحمّل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان الدولة المغربية المسؤولية الكاملة عن استفحال العنف ضد النساء، وتطالب بإجراءات جذرية لا تقتصر على الخطابات أو الحملات الموسمية. وتشدد على ضرورة رفع جميع التحفظات — المعلنة والضمنية — عن اتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، وملاءمة التشريعات المغربية معها دون شروط. كما تدعو إلى مراجعة شاملة للقوانين الأساسية، من القانون الجنائي إلى مدونة الأسرة وقانون العمال المنزليين، وإقرار المساواة الفعلية في الأجور بين القطاعين الزراعي والصناعي.
وتنتقد الجمعية بشكل خاص القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، معتبرة أنه يحتاج إلى مراجعة جذرية بإشراك فعلي للحركة الحقوقية والنسائية، وبإدماج تدابير قوية للحماية والوقاية والتكفل بالضحايا، وليس فقط سجلاً للعقوبات.
وتطالب الجمعية أيضاً بسياسات عمومية بديلة تقوم على المساواة في جميع المجالات، وبمراجعة شاملة للمناهج التعليمية، وتغيير الخطاب الإعلامي والثقافي، والمصادقة على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 190 الخاصة بالحماية من العنف في أماكن العمل.
وفي ختام بلاغها، توجه الجمعية تحية لجميع نساء المغرب المكافحات، وللحركات النسائية والديمقراطية المناهضة للتطبيع، وتربط نضال النساء محلياً بنضالهن عالمياً ضد الأنظمة النيوليبرالية والهيمنة الاقتصادية والعسكرية، مؤكدة أن حقوق المرأة ليست ملفاً قطاعياً، بل قضية مجتمعية تمسّ جوهر العدالة والحرية والكرامة.

