حقوق وحريات

تقرير أسود: سنة أخرى من التراجع… وسؤال الكرامة يعود بقوة

تحقيق – أجيال 212

رسم التقرير السنوي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان صورة لا تخطئها العين عن واقع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالمغرب، صورة قاتمة، متوترة، ومشحونة بأسئلة لم تعد جديدة، لكنها أصبحت أكثر إلحاحاً مما مضى. سنة 2024، كما يصفها التقرير، لم تكن مجرد سنة صعبة، بل محطة إضافية في مسار طويل من التدهور الذي يطاول أساسيات العيش الكريم: العمل، السكن، الصحة، والثقافة، أي أعمدة الحياة اليومية للمغاربة.

تبدأ الجمعية بتشخيص البطالة التي بلغت نسبة 21.3%، وفق الإحصاء العام للسكان، وهو رقم صادم في بلد يضم ملايين الشباب في سن العمل. وفي الوقت الذي تنخفض فيه نسبة النشاط إلى 41.6% وطنياً، تتسع رقعة هشاشة الشغل، وتتعزز ظاهرة العمل غير المهيكل، ويستمر التعاقد المؤقت وغياب الضمانات، في حين تبقى سياسات التشغيل، حسب التقرير، مرتهنة لتوصيات المؤسسات المالية الدولية، أكثر مما هي نابعة من حاجات المجتمع.

Morocco's women can lead the way to a green future – Economy and ...

ولا يقف الأمر عند البطالة، فحوادث الشغل استمرت في حصد الأرواح، وسط غياب حقيقي للمراقبة في أماكن العمل، وخصوصاً في شروط النقل التي تحولت إلى مصدر تهديد يومي للعاملات والعمال. فالحديث عن حرية نقابية أصبح بدوره جزءاً من الأزمة، بعدما سجل التقرير “تعنتاً حكومياً” في الاستجابة لمطالب الشغيلة، وتواصل قمع التنظيمات المهنية.

وإذا انتقلنا إلى القدرة الشرائية، فإن الصورة تصبح أكثر قتامة. فأسعار المواد الأساسية والخدمات لم تتوقف عن الاشتعال طوال السنة، بسبب الاحتكار والمضاربات والضعف الواضح لأجهزة المراقبة. هذا الغلاء المستمر سحق الأسر ذات الدخل المحدود، ودفع كثيرين إلى إعادة ترتيب احتياجاتهم الأساسية بطريقة مؤلمة: التخلي عن العلاج، تقليص استهلاك الغذاء، أو النزول إلى دوامة الديون.

أما الحق في السكن، فقد سجّل التقرير انتهاكات واسعة، بعضها يُعرف جيداً: إخلاء سكان جيوب الأحياء الواعدة أو دور الصفيح عبر جرافات وقوات عمومية، وأحياناً دون إشعار، ودون بدائل لائقة. هذا بالإضافة إلى الانعكاسات القاسية لزلزال الحوز، حيث ما زالت آلاف الأسر تواجه البرد والحرمان بسبب البطء الكبير في إعادة الإعمار، وترك الضحايا وجهاً لوجه أمام الطبيعة، دون حماية أو رؤية واضحة.

وفي قطاع الصحة، لا شيء يدعو للتفاؤل. فالتقرير يتحدث عن ضعف التمويل العمومي الذي يفرز نقصاً مهولاً في البنيات التحتية والموارد البشرية والمعدات الطبية، مع تفاوتات مجالية تجعل الحق في العلاج مرتبطاً بالمكان أكثر مما هو حق للجميع. وتزداد الأمور تعقيداً حين يُضاف الفساد الذي ينخر القطاع، وغياب الشفافية في تدبير ميزانياته وخدماته، ثم الإخفاق المتكرر في تنزيل وعود التغطية الصحية الشاملة.

ولا يغفل التقرير المجال الثقافي، الذي يبدو بدوره في وضع هش. فالصناعات الثقافية ضعيفة أو شبه منعدمة، والبنيات التحتية نادرة، والممارسون يشتغلون بدون دعم مؤسسي حقيقي. الثقافة، التي يفترض أن تكون روح المجتمع، تُترك وحيدة في مواجهة السوق، وفي ظل غياب الرؤية، وغياب السياسات العمومية الجادة.

ويصل التقرير إلى ملف الأمازيغية، الذي ظل منذ دستور 2011 وعداً مؤجلاً. الجمعية تنتقد ما تسميه “أساليب المماطلة” التي رافقت تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية، معتبرة أن الدولة راكمت أرقاماً قياسية في التعطيل، مقابل احتفالات فلكلورية لا تتجاوز المناسبات. بين النص الدستوري والواقع، توجد هوة عميقة، واللغة التي تعتبر مكوناً أساسياً للهوية الوطنية، ما زالت تبحث عن مكانها داخل المؤسسات.

في النهاية، التقرير ليس مجرد تجميع لأرقام، بل شهادة على مرحلة يعيش فيها المغاربة ضغطاً اجتماعياً واقتصادياً غير مسبوق. إنه تذكير بأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ليست رفاهية، بل أساس الكرامة، وأن أي اختلال في هذه الأسس يتحول بسرعة إلى غضب، واحتجاج، وشعور عام بأن الدولة تبتعد أكثر فأكثر عن مطالب الناس.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى