إفتتاحية
لماذا حركة جيل 212؟ ولماذا أصبح التصحيح واجباً لا يمكن تجاهله؟

هناك لحظات في حياة الأمم لا تقبل الغموض ولا تحتمل المراوغة. لحظات تفرض على الجميع قول الحقيقة كما هي، بلا خوف ولا مجاملة. ولحظة ولادة حركة جيل 212 كانت لحظة من هذا النوع. جاءت الحركة لأن جيلاً كاملاً شعر بأن صوته يُدفن، وأن مطالبه تُهمّش، وأن الواقع اليومي صار أثقل من قدرة الناس على تحمّله، وأن الأفق يضيق أكثر فأكثر بينما ترتفع كلفة العيش وتتدهور جودة الخدمات وتزداد مساحة اليأس.
غير أنّ الصدمة الأكبر لم تكن في الخارج وحده، بل جاءت أيضاً من الداخل. فقد ظهرت على المنصة الرقمية التي احتضنت النقاشات الأولى للحركة ممارسات لا علاقة لها بروح المشاركة ولا بقيم الحرية التي تأسست عليها المبادرة. تحولت المنصة من مساحة للحوار المفتوح إلى مساحة ضيقة تُدار بعقلية السيطرة والاحتكار. ظهرت قرارات فردية غير مبررة، وإقصاء واضح لكل رأي مخالف، واعتبار المنصة ملكية خاصة لا يجوز الاقتراب منها. كانت تلك الأخطاء كافية لإدخال الحركة في حالة جمود خطير، توقفت فيه المبادرات، وتراجع فيه الأعضاء، وفقدت الفكرة بريقها الأول.
عند هذه المرحلة، لم يعد السكوت ممكناً. كان التصحيح واجباً لا مفر منه. لم يكن التصحيح خطوة تجميلية، ولا رد فعل مؤقتاً، بل كان عملية إنقاذ شاملة للفكرة قبل أن تختفي. كان استعادة للثقة التي ضاعت، وتذكيراً بأن الحركة ليست ملكاً لأحد، وأنها وُجدت أصلاً للدفاع عن الحرية والكرامة، لا لتعيد إنتاج نفس السلوكيات التي ننتقدها في الواقع.
لقد وُلدت الحركة في البداية باعتبارها صوت جيل زد، ذلك الجيل الذي عاش أكثر من غيره ثقل التحولات الاقتصادية والاجتماعية. لكنه مع مرور الوقت اتضح أن المطالب التي ترفعها الحركة ليست مطالب جيل واحد، بل هي مطالب مجتمع كامل: كلفة المعيشة التي تثقل الجميع، ضعف التعليم الذي يرثه الأبناء عن الآباء، تدهور الصحة الذي يشترك فيه كل المواطنين، غياب المحاسبة الذي يرهق الناس بلا استثناء، والاعتقالات التي تطال كل من يرفع صوته للمطالبة بحقه. لهذا أصبح من الظلم حصر الحركة في جيل واحد. كانت الحاجة واضحة إلى الانفتاح على الجميع، وإلى بناء مشروع يشمل كل من آمن بأن التغيير ضرورة مشتركة. وهكذا ظهر الاسم الجديد: جيل 212. لم يكن الاسم مجرد تغيير شكلي، بل كان إعلاناً بأن الوطن كله معني بالمعركة، وأن كل مواطن له مكان في هذا المشروع، بغض النظر عن عمره أو موقعه.
جيل 212 اليوم حركة استعادت روحها بعد أن حاول البعض إخمادها. استعادت صوتها بعد أن حاولت فئة صغيرة احتكاره. استعادت قدرتها على تمثيل نفسها بنفسها بعد أن حاولت أخطاء داخلية إضعافها. إنها حركة تقوم على الوضوح والمشاركة والمحاسبة، وتضع كرامة الإنسان في قلب رؤيتها. إنها حركة تعلن أن زمن العبث انتهى، وأن زمن المشاركة بدأ، وأن الصوت الذي حاول البعض إسكاتَه سيعود أعلى وأوضح من أي وقت مضى.
ولهذا نقول بثقة كاملة: كان التصحيح واجباً لا يمكن التراجع عنه. وكان تأسيس جيل 212 خطوة حتمية لحماية الفكرة واستعادة معناها الحقيقي. وكان إعلان الحركة بصوت واضح دليلاً على أن الحقيقة لا تموت، حتى لو حاول البعض دفنها. إن جيل 212 ليس مجرد اسم جديد، بل هو وعد بأن الفكرة ستستمر، وأن الصوت الذي خرج من قلب المعاناة سيظل حياً، صادقاً.
حمدون القراص

