من دستور الحريات الى سياسة المتابعات

منذ 2011، والحكومات المتعاقبة تردد ان المغرب دخل مرحلة جديدة في مجال الحقوق والحريات، مرحلة يؤطرها دستور متقدم ويضمنها خطاب رسمي لا يتوقف عن الحديث عن الاصلاح والاستثناء الايجابي. غير ان ما تكشفه الوقائع اليومية، وما تؤكده التقارير الدولية، وما يلمسه المواطن في حياته العادية، يقول شيئا اخر تماما. يقول ان الحريات بعد 2011 لم تتقدم كما وعد بها، بل دخلت مسارا متذبذبا، تحكمه الحسابات السياسية اكثر مما تحكمه روح الدستور.
المشكل لم يكن يوما في النصوص. دستور 2011 واضح في ضمان حرية التعبير، وحرية الصحافة، وحق الاحتجاج السلمي، واستقلال القضاء، وقرينة البراءة. الاشكال الحقيقي كان دائما في من يملك القرار السياسي لتنزيل هذه المقتضيات، وكيف ينظر الى الحرية داخل دوائر الحكم. فبدل ان تعتبر الحرية رافعة للاستقرار، جرى التعامل معها كخطر يجب تطويقه، وكمجال يجب ضبطه، لا كحق يجب توسيعه.
في ملف الصحافة، لم يعد النقاش يدور حول الجودة او اخلاقيات المهنة، بل حول حدود المسموح والممنوع. المتابعات القضائية، الغرامات الثقيلة، التضييق الاقتصادي، وسيف القوانين الجنائية، كلها تحولت الى ادوات ضغط غير معلنة، تجعل الصحافي يشتغل وهو يحسب كلفة كل كلمة. الحكومة، بدل ان تحمي الصحافة كسلطة رقابية ضرورية، اختارت الصمت او التبرير، وكان حرية الصحافة عبئا يجب تحمله، لا مكسبا يجب الدفاع عنه.
القضاء، الذي قدم بعد 2011 باعتباره سلطة مستقلة، وجد نفسه في قلب التوترات الاجتماعية والسياسية. لا احد يشكك في وجود قضاة نزهاء، لكن الاشكال في الدور الذي اسند للقضاء. حين تتحول المتابعة الى قاعدة، والبراءة الى استثناء في قضايا الراي والاحتجاج، وحين ينظر الى القضاء كاداة لتدبير الغضب الاجتماعي بدل كونه ملاذا للحقوق، فان استقلاله يصبح سؤالا مشروعا، لا تشكيكا مجانيا.
الاحتجاج بدوره، وهو حق دستوري صريح، لم يسلم من هذا المنطق. بدل ان يفهم كالية تنفيس ديمقراطي، جرى التعامل معه كتهديد للامن العام. شباب يخرجون للمطالبة بالشغل، او الكرامة، او العدالة الاجتماعية، فيجدون انفسهم امام المحاكم. اساتذة، طلبة، نشطاء، عمال، كلهم مروا من هنا. والحكومة، في كل مرة، تفضل لغة القانون الزجري على لغة الحوار السياسي، وكانها تراهن على الانهاك بدل الحل.
ما يزيد من خطورة هذا المسار انه يحدث في سياق اجتماعي هش، حيث تتراكم البطالة، وتتآكل القدرة الشرائية، وتضعف الثقة في الوساطة السياسية. في مثل هذا السياق، يصبح التضييق على الحريات وصفة خطيرة. فالدولة التي تغلق منافذ التعبير السلمي، تفتح، من حيث لا تريد، ابواب الاحتقان والياس.
الحكومة تتحمل مسؤولية سياسية كاملة في هذا الوضع. ليس لانها وحدها من تحكم، بل لانها اختارت، في لحظات مفصلية، السلامة السياسية على حساب الجرأة الديمقراطية. اختارت ادارة الازمات بدل معالجتها، وضبط المجتمع بدل اشراكه، وتأجيل الاصلاح الحقيقي بدل خوض كلفته.
الحديث عن الاستقرار لا يمكن ان يكون مبررا لتقليص الحريات. التجارب داخل المغرب وخارجه اثبتت ان الاستقرار الذي لا يقوم على الثقة هش بطبيعته، وان الدولة القوية ليست تلك التي تكثر من المتابعات، بل تلك التي تتحمل النقد، وتفتح النقاش، وتصلح قبل ان تعاقب.
بعد اكثر من عقد على دستور 2011، لم يعد مقبولا الاستمرار في خطاب الانجاز دون مساءلة. الحريات ليست منة من الحكومة، بل التزام دستوري. والصحافة ليست خصما، بل شريكا. والاحتجاج ليس جريمة، بل مؤشر صحة سياسية. والقضاء لا يجب ان يكون في موقع ادارة الغضب، بل في موقع حماية الحقوق.
اذا استمر هذا المسار، ستواصل تقارير الحرية تسجيل التراجع. لكن الاخطر من الترتيب هو ما يتراكم داخليا، فقدان الثقة، وتاكل الامل، واتساع المسافة بين الدولة والمجتمع. اما اذا كانت هناك فعلا ارادة لتصحيح المسار، فالبداية واضحة، احترام الدستور، حماية الحريات، وفتح افق سياسي حقيقي، لا يدار بالخوف، بل بالثقة والمسؤولية.

