إفتتاحية

حين تغرق المدن وتبقى السياسات على اليابسة

 

مايقع اليوم في القصر الكبير ليس مفاجأة، ولا حادثاً طبيعياً عابراً، ولا اختباراً عشوائياً للطقس. ما يقع هو كشف جديد، وصريح، لمحدودية السياسات العمومية في التعامل مع الكوارث الطبيعية، ولغياب بنية تحتية قادرة على حماية المواطنين حين تتحول الأمطار من نعمة إلى تهديد.

وادي اللوكوس لم يولد أمس، وتاريخ المدينة مع الفيضانات ليس سراً، وموقعها الجغرافي معروف، ومخاطر الغمر موثقة منذ عقود. ومع ذلك، ما تزال القصر الكبير تُواجه كل موسم مطري بنفس السيناريو: استنفار متأخر، حلول ترقيعية، تدخلات استعجالية، ثم انتظار انحسار المياه وكأن شيئاً لم يكن. هذا ليس تدبيراً للأزمات، بل تكرار منظم للفشل.

الدولة التي تعرف المخاطر، ولا تستثمر بما يكفي لمنعها، تتحمل مسؤولية سياسية كاملة. لأن الكارثة، في هذه الحالة، لا تبدأ مع ارتفاع منسوب الوادي، بل تبدأ مع غياب الرؤية، وتأجيل المشاريع، وتهميش المدن المتوسطة، والتعامل مع البنية التحتية ككلفة مالية لا كاستثمار في الحياة.

ما يحدث في القصر الكبير اليوم يفضح خللاً عميقاً في تصورنا للتنمية. فلا معنى للحديث عن النمو، والاستثمارات الكبرى، والمشاريع الاستراتيجية، إذا كان المواطن يُترك كل شتاء رهينة الخوف على بيته، ورزقه، وسلامة أسرته. ولا معنى لدولة تقول إنها اجتماعية، إذا كانت عاجزة عن حماية مواطنيها من مخاطر معروفة ومتوقعة.

التغير المناخي لم يعد احتمالاً نظرياً، بل واقعاً يومياً. الأمطار الغزيرة، الفيضانات، تشبع التربة، وارتفاع منسوب الأودية، كلها مؤشرات على مناخ جديد، يتطلب سياسات جديدة. الاستمرار في التخطيط بنفس أدوات الأمس، وفي بناء المدن دون مراعاة المخاطر، وفي تصريف المياه بشبكات لم تُحدَّث منذ عقود، هو إصرار على إنتاج الكارثة.

الحركة، وهي تتابع بقلق ما تعيشه ساكنة القصر الكبير، تعلن تضامنها الكامل مع المواطنين الذين وجدوا أنفسهم مرة أخرى في مواجهة الخطر، ومع الأسر التي تهددها المياه، ومع التجار وأصحاب المحلات الذين يدفعون ثمن غياب الوقاية. هذا التضامن ليس مجرد موقف إنساني، بل موقف سياسي يعتبر أن حماية الإنسان يجب أن تكون في صلب السياسات العمومية، لا في هامشها.

وفي الوقت نفسه، توجه الحركة تنبيهاً واضحاً للدولة: زمن التدبير الاستعجالي انتهى. الكوارث الطبيعية لم تعد استثناءً، بل أصبحت جزءاً من الواقع المغربي. والمطلوب اليوم ليس لجان يقظة موسمية، ولا بيانات طمأنة، بل مراجعة جذرية لسياسات التهيئة المجالية، واستثمارات حقيقية في شبكات تصريف المياه، وحماية ضفاف الأودية، ومنع البناء في المناطق الخطرة، وربط التخطيط الحضري بالمعطيات المناخية والعلمية.

الدولة القوية لا تُقاس بسرعة إرسال الجرافات، بل بقدرتها على أن لا تحتاج إلى إرسالها أصلاً. والدولة الاجتماعية لا تُقاس بحجم الخطابات، بل بقدرتها على حماية المواطن قبل أن يغرق، لا بعد أن يخسر كل شيء.

القصر الكبير اليوم ليست مجرد مدينة مهددة بالفيضان. هي مرآة لسياسات يجب أن تتغير، وإنذار مبكر لما قد يحدث غداً في مدن أخرى، إن استمرت الدولة في إدارة الكارثة بدل الاستثمار في منعها.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى