حين تُسلَّم المنصات للتفاهة: قراءة في مسار الانحراف وبداية التصحيح

لم تولد المنصة الرقمية Gen Z 212 من فراغ، ولم تظهر بوصفها مشروعًا تافهًا أو بلا معنى. في بداياتها الأولى، كانت انعكاسًا لرغبة حقيقية لدى فئة واسعة من الشباب في إيجاد فضاء يتكلم بلغتهم، ويعبّر عن قلقهم، ويمنحهم الإحساس بأنهم جزء من نقاش عام لا يُدار فوق رؤوسهم. هذا المعطى لا يمكن إنكاره، لأنه يفسّر حجم الالتفاف الذي عرفته المنصة في مراحلها الأولى.
غير أن هذا الالتفاف، بدل أن يتحوّل إلى مسار واعٍ ومتدرج، بدأ يفقد معناه حين غابت الأسئلة الأساسية المتعلقة بالمسؤولية، وبحدود الخطاب، وبالتمييز بين ما هو نقاش ضروري وما هو استعراض فارغ. منذ تلك اللحظة، بدأ المسار ينحرف دون أن ينتبه إليه كثيرون.
حين يتقدّم الصوت على الفكرة
مع اتساع دائرة المتابعين، صار من الواضح أن منطق الانتشار بدأ يتغلّب على منطق المعنى. المواضيع التي تحظى بأكبر قدر من التفاعل لم تكن بالضرورة الأكثر عمقًا أو فائدة، بل تلك التي تعتمد على الإثارة، وعلى التبسيط المخل، وعلى تقديم القضايا المعقدة في شكل شعارات سهلة الهضم وسريعة الاستهلاك.
في هذا السياق، برزت مواضيع إما تافهة لا تضيف شيئًا للنقاش العام، أو راديكالية في ظاهرها فقط، لكنها تفتقر إلى أي أساس معرفي أو سياسي. أصحاب هذه الطروحات لم يسبق لهم الاشتغال على الفكر السياسي، ولا امتلكوا أدوات التحليل، ولا راكموا تجربة تسمح لهم بفهم تعقيدات الواقع، ومع ذلك تم تقديمهم كأصوات مؤثرة داخل المنصة.
أفكار كبيرة بأدوات سطحية
من بين أكثر مظاهر الانحراف وضوحًا، انتشار أفكار إلحادية ذات مستوى ابتدائي، لا تقوم على قراءة فلسفية جادة، ولا على معرفة بتاريخ الفكر أو بتعدد مقارباته، بل تعتمد بشكل شبه كامل على محتوى بعض اليوتيوبرز الذين لا يتوفرون بدورهم على أي تكوين معرفي رصين. هذه الأفكار لم تُطرح في إطار نقاش هادئ ومسؤول، بل قُدّمت في صيغة استفزازية، وكأن الهدف منها ليس الفهم أو التساؤل، بل خلق الصدام فقط.
المشكل هنا لم يكن في الإلحاد أو في الإيمان، بل في تبسيط أسئلة كبرى إلى مستوى فقير معرفيًا، وفي تحويلها إلى مادة استهلاكية تُستهلك كما يُستهلك أي محتوى عابر.
حين تتحول التفاهة إلى مركز ثقل
مع مرور الوقت، لم تعد هذه الطروحات هامشية، بل أصبحت في قلب النقاش داخل المنصة. أشخاص بلا رصيد فكري حقيقي، ولا تجربة سياسية، صاروا يتحكمون في إيقاع الحوار، ليس لأنهم يملكون إجابات، بل لأنهم أكثر صخبًا وأقل استعدادًا للاستماع.
هؤلاء وجدوا في المنصة مجالًا مثاليًا للظهور، لا للاشتغال الجاد. كل محاولة لتعميق النقاش كانت تُواجَه بالاستهزاء، وكل صوت يدعو إلى التعقل كان يُتَّهَم بالجبن أو بالتواطؤ. بهذه الطريقة، تم إقصاء العقل لصالح الضجيج، وتم تهميش التفكير لصالح الانفعال.
من الاختلاف إلى التشويه
في هذا المناخ، ظهرت ظاهرة التخوين وتشويه المصداقية. بدل أن يكون الاختلاف مدخلًا للنقاش، صار ذريعة للتشهير. مجموعة من الأشخاص، دون أي سند أخلاقي أو فكري، راحت تطعن في نوايا غيرها، وتشوه سمعتهم، وتقدّمهم للرأي العام داخل المنصة على أنهم مشبوهون أو غير صادقين.
هذه الممارسات لم تكن تعبيرًا عن صراع فكري حقيقي، بل عن عجز واضح عن النقاش بالحجة. حين يغيب الفكر، يحضر التشويه. وحين يعجز التافه عن الإقناع، يلجأ إلى التخوين.
كيف أدى هذا المسار إلى الانهيار
أمام هذا الوضع، لم يكن انسحاب الأطر والكفاءات سوى نتيجة طبيعية. لا يمكن لعقل نقدي أن يشتغل في فضاء يُكافئ التفاهة ويعاقب التفكير. ومع خروج هؤلاء، فقدت المنصة ما تبقى من توازنها، ودخلت في حالة شلل طويلة، لم يعد فيها النقاش منتجًا، ولا الحضور ذا معنى.
هكذا، لم تعد المنصة فضاءً للحوار، بل أصبحت مرآة لأزمة أعمق، أزمة حين يُسلَّم الفعل العام لأشخاص لا يدركون خطورته.
من الفشل تولد الحاجة إلى التصحيح
من هذا المسار المتعثر، خرجت حركة أجيال 212 كخيار تصحيحي، لا بدافع الخصومة، بل بدافع الوعي. حركة حاولت أن تتعلم من الأخطاء بدل إنكارها، وأن تعيد الاعتبار للعقل والتنظيم والمسؤولية. اختارت الاشتغال الهادئ، وبناء واجهة إعلامية تعبر عنها بوضوح، إلى جانب ورشات أخرى تعمل في صمت، بعيدًا عن الضجيج الذي أثبت عجزه عن إحداث أي تغيير حقيقي.
ان ما جرى داخل المنصة الرقمية ليس حالة معزولة، بل درس ينبغي التوقف عنده. الحركات لا تفشل فقط بالقمع، بل تفشل حين تترك نفسها رهينة للتفاهة، وحين تخلط بين الجرأة والتهور، وبين الاختلاف والتشويه.
الالتحاق بالمسار التصحيحي الذي تمثله حركة أجيال 212 ليس دعوة إلى الانسحاب من الفعل، بل دعوة إلى ممارسته بشكل أكثر وعيًا، وأكثر احترامًا للعقل، وأكثر وفاءً لمسؤولية الكلمة.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي حراك، هو أن يفقد معناه قبل أن يفقد جمهوره.
بنبركة

