تعليق الدراسة بين منطق السلامة وواقع الهشاشة البنيوية بالجامعة العمومية

يأتي قرار جامعة عبد المالك السعدي تعليق الدراسة ابتداءً من يوم الاثنين تحسبًا لسوء الأحوال الجوية ليطرح، مرة أخرى، سؤال العلاقة بين القرارات الوقائية الآنية والواقع البنيوي الذي تعيشه الجامعة العمومية في المغرب. من حيث المبدأ، لا يمكن لأي متابع أن يعارض خطوة تروم حماية سلامة الطلبة والأساتذة والأطر الإدارية، خاصة في ظل نشرة إنذارية تتحدث عن تساقطات مطرية كثيفة ورياح قوية قد تعرّض التنقل والسلامة الجسدية للخطر. غير أن هذا القرار، رغم وجاهته الظرفية، يكشف في العمق عن هشاشة مزمنة تجعل من أي اضطراب جوي سببًا كافيًا لتعليق الدراسة وشل الحياة الجامعية.
ما يثير الانتباه أن تعليق الأنشطة البيداغوجية والعلمية أصبح إجراءً متكررًا في عدد من الجامعات كلما ساءت الأحوال الجوية، وكأن الجامعة ما تزال مؤسسة غير قادرة على التكيّف مع محيطها الطبيعي والمناخي. فبدل أن تكون الفضاءات الجامعية محصّنة ببنية تحتية قادرة على ضمان الاستمرارية في ظروف صعبة، يتحول المطر والرياح إلى عامل تعطيل شامل، يشمل الدروس، ومناقشات البحوث، والندوات العلمية، بل وحتى المرافق الإدارية.
هذا الوضع يعكس، في جانب منه، اختلالات أوسع تتجاوز قرار جامعة بعينها. فعدد كبير من الطلبة في مدن الشمال يقطعون مسافات طويلة للوصول إلى مؤسساتهم، عبر طرق غير مهيأة، ووسائل نقل هشّة، وأحياء سكنية معرضة لتجمع المياه. في مثل هذا السياق، يصبح تعليق الدراسة حلًا أقل كلفة من مواجهة الأسئلة الكبرى المتعلقة بالنقل الجامعي، والسكن الطلابي، وتوزيع المؤسسات، وتهيئة محيطها العمراني.
كما أن القرار يسلط الضوء على محدودية البدائل المتاحة داخل الجامعة العمومية. فغياب آليات مرنة للتدريس عن بعد، أو حلول بيداغوجية تسمح باستمرار الحد الأدنى من العملية التعليمية، يجعل التعليق هو الخيار الوحيد الممكن. هنا، لا نتحدث عن ظرف استثنائي، بل عن تراكم تأخر في إدماج أدوات رقمية بشكل فعلي ومستدام داخل المنظومة الجامعية، رغم الدروس التي كان يفترض استخلاصها من فترات سابقة عرفت توقفًا قسريًا للدراسة.
الجامعة، باعتبارها فضاءً لإنتاج المعرفة، يفترض أن تكون من أكثر المؤسسات استعدادًا للتكيف مع الأزمات، سواء كانت مناخية أو صحية أو اجتماعية. غير أن الواقع يُظهر أن القرارات تُتخذ غالبًا بمنطق إداري احترازي، دون أن يوازيها تفكير استراتيجي في كيفية تقليص آثار التعليق على المسار الدراسي للطلبة، خاصة في فترات حساسة مثل نهاية الفصول أو مواسم مناقشة البحوث.
ولا يمكن فصل هذا القرار عن سياق أوسع يتسم بتكرار الاضطرابات المناخية في شمال المملكة، وهو ما يفرض على مؤسسات التعليم العالي الانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى منطق التخطيط الاستباقي. فالتغير المناخي لم يعد حدثًا طارئًا، بل معطى بنيويًا، يفرض إعادة النظر في تصميم الحرم الجامعي، وفي وسائل الولوج إليه، وفي نمط تنظيم الزمن الجامعي نفسه.
في النهاية، تعليق الدراسة قد يكون قرارًا مسؤولًا على المدى القصير، لكنه يظل مؤشرًا على عجز أعمق إذا استمر باعتباره الحل الوحيد المتاح. حماية سلامة الطلبة أمر غير قابل للنقاش، لكن حمايتهم أيضًا تعني ضمان حقهم في تعليم مستمر، ومستقر، لا يتعطل مع كل اضطراب جوي. وبين منطق السلامة الآنية وواقع الهشاشة البنيوية، تظل الجامعة العمومية مطالبة بتجاوز رد الفعل، وبناء قدرة حقيقية على الصمود، حتى لا يتحول المطر من ظاهرة طبيعية إلى سبب دائم لتعليق المعرفة.

