حين تتحول العدالة إلى جهاز تحصيل: أي معنى للإصلاح القضائي؟

إعادة وزير العدل عبد اللطيف وهبي التأكيد على ضرورة تشديد تتبع أداء وحدات التبليغ والتحصيل بالمحاكم المغربية تفتح نقاشًا أعمق من مجرد تحسين النجاعة الإدارية أو الرفع من مردودية تحصيل الدين العمومي. فخلف لغة الأرقام، والآليات، والجداول، والسيارات النفعية، وحصص البنزين، يبرز سؤال جوهري حول الوجهة التي تسير فيها العدالة، وحول الأولويات التي باتت تتحكم في منطق الإصلاح داخل المحاكم.
لا أحد يجادل في حق الدولة في تحصيل مستحقاتها، ولا في أهمية تنظيم عمل وحدات التبليغ والتحصيل، لكن الإشكال يبدأ حين يصبح هذا الورش هو العنوان الأبرز داخل وزارة العدل، في سياق يعرف فيه القضاء اختناقات مزمنة، وتأخيرات في البت، ونقصًا في الموارد البشرية، واحتقانًا متصاعدًا لدى المتقاضين، وشللًا فعليًا في المحاكم بسبب إضراب المحامين. في هذا السياق، يبدو وكأن العدالة تُختزل تدريجيًا في وظيفة مالية، تُقاس نجاعتها بقدرتها على استخلاص الغرامات والديون، لا بمدى إنصافها أو سرعتها أو استقلاليتها.
اللغة التي استُعملت في مراسلة الوزير تكشف عن تصور إداري صارم، يركز على التتبع المحكم، والإحصاء الدقيق، وتفعيل الإكراه البدني، وإصدار أوامر بالمداخيل، وتجزيء الدين أو إلغائه عند الاقتضاء. غير أن هذا الحرص الشديد على تحصيل الدين العمومي يطرح تساؤلًا مقلقًا حين يوضع في ميزان المقارنة مع البطء الكبير في تفعيل آليات محاسبة الفساد، أو في إنصاف ضحايا الاختلالات الإدارية، أو في حماية الحقوق والحريات.
الأكثر إشكالية هو الإلحاح على تفعيل الإكراه البدني في الديون العمومية، في بلد يعاني فيه جزء واسع من المواطنين من هشاشة اجتماعية واقتصادية، ومن صعوبات فعلية في الأداء. فحين تُفعّل مساطر الإكراه بمنطق تقني صرف، دون مراعاة السياق الاجتماعي، تتحول العدالة من سلطة إنصاف إلى أداة ضغط، ويصبح الفقير أكثر عرضة للعقاب من المتهرب الكبير، الذي غالبًا ما يمتلك الوسائل القانونية والمالية للمناورة.
كما أن التركيز على وحدات التبليغ والتحصيل، ومطالبة المحاكم بإحصاءات دقيقة حول السيارات والدراجات والبنزين، يبرز مفارقة لافتة. فالدولة قادرة على ضبط تفاصيل دقيقة حين يتعلق الأمر بالتحصيل، لكنها تبدو أقل حزمًا حين يتعلق الأمر بتتبع آجال البت في القضايا، أو جودة الأحكام، أو احترام ضمانات المحاكمة العادلة، أو حتى معالجة الأعطاب البنيوية التي تجعل المواطن يفقد الثقة في العدالة.
الأمر لا يتعلق بنوايا الوزير بقدر ما يتعلق بالرسالة السياسية التي تُبعث من خلال هذه التوجيهات. الرسالة التي تقول، ضمنيًا، إن الأولوية اليوم هي مالية، وإن المحكمة مطالبة بأن تكون ذراعًا فعالة في تغذية خزينة الدولة. هذا التوجه يثير قلقًا مشروعًا، لأنه يعمق الإحساس بأن العدالة تُدار بمنطق المحاسب أكثر من منطق القاضي، وبأن الإصلاح يُقاس بالمداخيل لا بمدى ترسيخ دولة الحق والقانون.
ثم إن الحديث عن “اعتمادات مالية مهمة” رُصدت لهذه الوحدات يطرح بدوره سؤال توزيع الموارد داخل قطاع العدل. لماذا تُضخ الإمكانيات أساسًا في مساطر التحصيل، بينما تظل أقسام اجتماعية، أو أسرية، أو إدارية تعاني خصاصًا مهولًا في القضاة والموظفين؟ ولماذا يُطلب من موظفي النيابة العامة تكثيف مساهمتهم في التبليغ والتحصيل، في وقت يُفترض فيه أن يكون دورهم الأساسي هو حماية القانون والحقوق؟
في العمق، ما يجري يعكس تصورًا تقنيًا ضيقًا لإصلاح العدالة، يُراكم الإجراءات دون أن يطرح السؤال الجوهري: أي عدالة نريد؟ عدالة ترى في المواطن مدينًا محتملاً يجب تتبعه وتحاصره، أم عدالة ترى فيه صاحب حق قبل أن يكون ملزمًا؟ عدالة تشتغل بمنطق الجداول والإحصاءات، أم عدالة تُقاس بثقة الناس فيها وبإحساسهم بالإنصاف؟
إن تحصيل الدين العمومي مسألة مهمة، لكن تحويلها إلى أولوية مركزية داخل وزارة العدل، في هذا التوقيت بالذات، يبعث بإشارة خاطئة. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من جيب المواطن، بل من بناء عدالة مستقلة، ناجعة، متوازنة، لا تختزل دورها في التحصيل، ولا تُفرغ رسالتها الأصلية من معناها. دون ذلك، سيظل الحديث عن الاستراتيجية والنجاعة مجرد إدارة محسنة لأزمة ثقة عميقة، لا مجرد خلل في مساطر التبليغ.

