جيل زد… حين تتحول المحاكم إلى أداة لتدبير الغضب الاجتماعي

ما يجري اليوم في ملف معتقلي احتجاجات جيل زد ليس سوء تقدير عابر، ولا إفراطًا تقنيًا في تطبيق القانون، بل اختيار سياسي كامل المعالم. اختيار يقول، بوضوح لا لبس فيه، إن الدولة حين تعجز عن تقديم الأجوبة، تلجأ إلى المحاكم. وحين تفشل في الإصغاء، تختار الزجر. وحين لا تجد لغة مشتركة مع شبابها، تستعمل لغة الردع.
جيل زد لم يهبط من فراغ. لم يظهر فجأة. ولم يُصنَع في مختبرات الفوضى كما يروج بعض الخطاب المريح للسلطة. هذا الجيل هو نتيجة مباشرة لسنوات من السياسات العمومية العاجزة عن خلق الأمل، وعن توفير شروط العيش الكريم، وعن فتح أفق سياسي حقيقي للشباب. وحين تتراكم الخيبات، لا يحتاج الغضب إلى تنظيم، بل يحتاج فقط إلى شرارة.
الاحتجاجات التي قادها جيل زد كانت بلا قيادة، بلا حزب، وبلا وساطة. وهذا ما أخاف الدولة. لأن الدولة تعرف كيف تفاوض النخب، لكنها لا تعرف كيف تتعامل مع الغضب الخام. تعرف كيف تحتوي التنظيم، لكنها ترتبك أمام المزاج الجمعي. فكان الرد هو الأسهل: التوقيف، المتابعة، والمحاكمة.
هنا بالضبط يبدأ الخلل السياسي. حين يُستبدل النقاش العمومي بمحاضر الشرطة، وحين تتحول قاعات المحاكم إلى فضاءات لتدبير أزمة اجتماعية، نكون قد غادرنا منطق السياسة ودخلنا منطق الإكراه. وهذا ليس دليل قوة، بل دليل عجز. الدولة القوية تُدير الخلاف بالحوار، لا بإرهاق القضاء بملفات الغضب.
الأرقام المتداولة حول التوقيفات والمتابعات ليست مجرد معطيات تقنية. إنها مؤشر سياسي خطير. لأنها تعني أن خيار الزجر لم يكن استثناءً، بل قاعدة. وأن الرد الأمني لم يكن لحظة، بل استراتيجية. والأسوأ أن هذا الخيار طال شبابًا في مقتبل العمر، بل وقاصرين، في رسالة قاسية مفادها أن الدولة لا تفرّق بين الغضب المشروع والانحراف الإجرامي.
ما الرسالة التي تُبعث اليوم إلى جيل كامل؟
الرسالة واضحة: لا تحتج. لا ترفع صوتك. لا تخرج عن النص. وإن فعلت، فالقانون في انتظارك. هذه الرسالة قد تُسكت الشارع مؤقتًا، لكنها تقتل السياسة على المدى البعيد. لأنها تُحوّل الشباب من مواطنين محتملين إلى خصوم صامتين.
جيل زد ليس جيل التآمر ولا جيل الانقلابات. هو جيل وُلد في زمن الشبكات، ويتنفس في فضاء رقمي مفتوح، ولا يعترف بالسلطة العمودية نفسها التي تشكلت بها الدولة. التعامل معه بعقلية الضبط والسيطرة هو وصفة مضمونة لتكريس القطيعة، لا لتجاوزها.
اليوم، ومع انتقال بعض الملفات إلى مراحل الاستئناف، ومع الحديث عن حلول قانونية محتملة، يظهر أن السلطة بدأت تشعر بكلفة هذا المسار. لكن تخفيف الأحكام، أو طيّ بعض الملفات، لا يعني شيئًا إن لم يُطرح السؤال الحقيقي: لماذا وصلنا إلى هنا أصلًا؟ ومن المسؤول عن تحويل الغضب الاجتماعي إلى قضية جنائية؟
في جريدة أجيال 212، نقولها بلا مواربة:
الدولة التي تحاكم غضب شبابها بدل أن تفهمه، دولة تؤجل أزمتها ولا تحلها.
والسياسة التي تختبئ خلف القضاء، سياسة تفرغ نفسها من معناها.
قضية معتقلي جيل زد ليست ملفًا قضائيًا يُغلق بالأحكام، بل أزمة ثقة تُحل بالقرار السياسي الشجاع. إما أن نعيد الاعتبار للشباب بوصفهم فاعلين في الحاضر، لا تهديدًا للنظام، أو نستمر في إدارة الغضب بالقمع الناعم، إلى أن ينفجر… خارج كل قدرة على التحكم.
بنبركة

