MADINA AR

حين تكشف الأمطار عري المدن والهشاشة المنسية

لم تكن الأمطار الغزيرة التي شهدتها عدة مدن مغربية خلال الساعات الأخيرة مجرد حدث مناخي عابر، بل تحولت، مرة أخرى، إلى مرآة كاشفة لواقع عمراني واجتماعي هش، وإلى اختبار جديد لقدرة السياسات العمومية على حماية الأرواح قبل الممتلكات. مشاهد الأحياء الغارقة، والسيارات التي جرفتها السيول، والمنازل المنهارة، والضحايا الذين سقطوا في صمت، لم تعد صورًا استثنائية، بل باتت تتكرر مع كل موسم مطري، وكأننا أمام قدر محتوم لا يقبل المراجعة.

في طنجة، عاش سكان أحياء كاملة ساعات من الخوف الحقيقي بعدما باغتتهم “عاصفة مارتا”. الأزقة تحولت إلى مجارٍ مائية، والسيارات صارت أجسامًا خفيفة أمام قوة السيول، والمنازل وجدت نفسها محاصرة بالمياه. لم يكن الرعب ناتجًا فقط عن غزارة الأمطار، بل عن الإحساس بالعجز، وعن سؤال قديم يتجدد: كيف يمكن لمدينة كبرى أن تغرق بهذه السهولة؟

المشهد لم يكن مختلفًا كثيرًا في تطوان، حيث غمرت المياه أحياء عديدة، وارتبكت حركة السير، وانهارت منازل في دواوير مجاورة. في جماعة دردارة، كما في مناطق أخرى، كانت الحصيلة أفدح. أسر باغثتها السيول، ووديان جرفت سيارات، وضحايا فقدوا حياتهم وهم يحاولون العبور أو النجاة. هنا، لا يعود الحديث عن “سوء الأحوال الجوية” كافيًا، لأن ما وقع هو نتيجة تراكمات، لا نتيجة ظرف طارئ فقط.

الأمر تكرر صباح اليوم قرب مولاي بوسلهام، حيث جرف واد الدرادر سيارات بشكل مفاجئ، وقطع الطريق، في مشهد يعيد إلى الواجهة السؤال حول سلامة القناطر والمسالك، وحول غياب أنظمة إنذار فعالة، وحول ترك المواطنين وحدهم في مواجهة الخطر، مع الاكتفاء بنداءات الحذر بعد وقوع الكارثة.

ولم تسلم مدن كبرى أخرى من الفيضانات. الدار البيضاء وسلا عرفتا بدورهما أمطارًا كثيفة أغرقت شوارع وأربكت السير، في مدن يُفترض أنها تتوفر على شبكات صرف وبنيات تحتية حديثة. أما في بنسليمان، فقد أعادت السيول طرح سؤال حساس ظل مؤجلاً لسنوات: كيف مُنحت تراخيص البناء في مناطق معروفة بتجمع المياه؟ ومن يتحمل مسؤولية تحويل مجاري طبيعية إلى تجزئات سكنية بلا حماية؟

غير أن الصورة الأكثر قتامة تبقى في العالم القروي. هناك، حيث لا تصل الكاميرات، ولا تحضر الأضواء الإعلامية، تكون الكارثة مضاعفة. دواوير معزولة، طرق مقطوعة، تربة منجرفة، منازل مهدمة، وعائلات تجد نفسها بين ليلة وضحاها بلا مأوى. في هذه المناطق، لا تكون الأمطار مجرد خطر، بل حكمًا بالعزلة، وربما بالموت، في غياب تدخل سريع ومنظم.

ما تكشفه هذه الأحداث ليس فقط هشاشة البنية التحتية، بل خللاً أعمق في منطق التدبير. فالكوارث الطبيعية تتحول في المغرب، في كل مرة، إلى كوارث اجتماعية بسبب ضعف الاستباق، وغياب الصيانة، وسوء التخطيط العمراني، وتداخل المسؤوليات دون محاسبة واضحة. يتم الحديث عن “تساقطات استثنائية”، بينما الاستثناء الحقيقي هو غياب سياسة وقائية فعالة.

اليوم، ومع تواصل سوء الأحوال الجوية، تتعالى الأصوات المطالبة بتكثيف جهود الإنقاذ، خصوصًا في المناطق القروية والجبلية. كما تتجدد الدعوات إلى إعلان المناطق المتضررة مناطق منكوبة، وتفعيل “صندوق الكوارث”، وضمان تعويض حقيقي للضحايا، لا مجرد وعود ظرفية سرعان ما تُنسى بانتهاء العاصفة.

لكن السؤال الأهم لا يجب أن يُختزل في التدخل بعد الكارثة. السؤال الحقيقي هو: إلى متى ستظل الأرواح تُفقد قبل أن تتحرك السياسات؟ وإلى متى سيظل التخطيط العمراني مفصولًا عن الواقع المناخي؟ وإلى متى سيُترك المواطن، في المدينة كما في القرية، وحيدًا في مواجهة الطبيعة؟

الأمطار ليست عدوًا. العدو الحقيقي هو غياب الاستعداد.
وما لم تتحول هذه الكوارث المتكررة إلى لحظة مساءلة حقيقية،
فإن كل عاصفة قادمة ستكون، مرة أخرى،
فاتورة بشرية جديدة يدفعها الأضعف.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى