MADINA AR

الأمن المائي بين ضفتي المتوسط: المغرب وإسبانيا.. مقارنة في فلسفة التخزين


يُشكل تدبير الموارد المائية في حوض البحر الأبيض المتوسط تحدياً استراتيجياً يتجاوز مجرد توفير المياه إلى كونه ركيزة للأمن القومي. وعند وضع المنظومة الهيدروليكية المغربية في كفة المقارنة مع نظيرتها الإسبانية، تظهر فوارق جوهرية في الاستراتيجية والقدرة الاستيعابية.

تحليل البنية التحتية: الكم مقابل الكفاءة التخزينية

تعتمد إسبانيا نموذجاً يقوم على التعددية الكثيفة، حيث تدير حوالي 1200 سد بسعة إجمالية تصل إلى 54 مليار متر مكعب. في المقابل، يرتكز النموذج المغربي على المركزية الضخمة، بامتلاكه 154 سداً كبيراً بسعة إجمالية تقارب 20.4 مليار متر مكعب.

المؤشر الأهم هنا ليس العدد، بل متوسط سعة المنشأة الواحدة؛ حيث تبلغ في المغرب 132.5 مليون متر مكعب، بينما لا تتجاوز في إسبانيا 45 مليون متر مكعب. هذا يعكس رؤية مغربية تركز على بناء “خزانات استراتيجية” كبرى قادرة على الصمود أمام دورات الجفاف الطويلة، بينما تعتمد إسبانيا على شبكة واسعة لتدبير موارد مائية أكثر تشتتاً وتعدداً.

 الموقع القاري والمنافسة الأفريقية

حسب تقارير البنك الدولي رقمياً، يحل المغرب في مراتب متقدمة أفريقياً، لكن طبيعة الموارد تختلف: من حيث السعة، تتفوق دول مثل مصر (السد العالي: 162 مليار م³) وإثيوبيا (سد النهضة: 74 مليار م³) بسبب الاعتماد على أنهار دولية كبرى، وهي ميزة طبيعية تفتقر إليها الأنهار المغربية “الداخلية”.

و من حيث العدد، تتصدر جنوب أفريقيا القارة بأكثر من 500 سد كبير، تليها دول مثل المغرب والجزائر وزيمبابوي. إلا أن المغرب يتميز بنظام “الربط المائي” (Water Highways) الذي يعتبر من الأكثر تطوراً في القارة لتقليص الفوارق المائية بين الأحواض.

 الفقر المائي وتحديات الاستدامة

و رغم قوة البنية التحتية، تضع لغة الأرقام المغرب أمام تحديات حقيقية، أولها مؤشر الفقر المائي حيث يقدر نصيب الفرد في المغرب بحوالي 600 متر مكعب سنوياً، وهو ما يقل عن خط الفقر المائي العالمي (1000 متر مكعب). ثانيا ظاهرة التوحل، و تشير التقارير التقنية إلى أن السدود المغربية تفقد سنوياً نحو 70 مليون متر مكعب من قدرتها التخزينية بسبب الترسبات، مما يستوجب عمليات صيانة مكلفة أو بناء سدود بديلة.

التحول نحو الموارد غير التقليدية

تُظهر المقارنة مع إسبانيا أن السدود وحدها لم تعد حلاً كافياً. إسبانيا استثمرت مبكراً في تحلية مياه البحر (أكثر من 765 محطة) وإعادة معالجة المياه العادمة.  اما في المغرب، ومنذ عام 2020، بدأ تسريع هذا التحول عبر “البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي”، مستهدفاً إنتاج 1.3 مليار متر مكعب من المياه المحلاة بحلول 2030، لتقليل الارتباط بنسبة 100% بالتساقطات المطرية.

و تؤكد المعطيات أن المغرب نجح في بناء منظومة “تخزينية” تفوق كفاءة السد الواحد فيها نظيره الإسباني، لكنه لا يزال يواجه فجوة في “إجمالي العرض” مقارنة بالطلب المتزايد. الحل المستقبلي، كما تشير تقارير البنك الدولي، يكمن في الموازنة بين الاستمرار في سياسة السدود الكبرى وبين توسيع قاعدة الموارد غير التقليدية (التحلية والمعالجة).

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى