تنمية و استثمار

النقرة الأخيرة… حين تتحول الرقمنة البنكية إلى مخاطرة يتحملها المواطن وحده

في السنوات الأخيرة، تسارعت رقمنة الخدمات البنكية في المغرب بشكل غير مسبوق. الحساب يُفتح عبر الهاتف، التحويل يتم في ثوانٍ، التوقيع أصبح إلكترونياً، وحتى الشكاية تمر عبر تطبيق. في الظاهر، يبدو الأمر انتقالاً طبيعياً نحو حداثة مالية تُبسط الإجراءات وتختصر الزمن. لكن خلف هذا المشهد اللامع، تتزايد حالات يشعر فيها المواطن أن الرقمنة لم تعنِ حماية أكبر، بل مسؤولية أكبر تُلقى على عاتقه.

المفارقة المؤلمة تظهر عند أول خلل: عملية غير معترف بها، اختراق حساب، اقتطاع مفاجئ، أو حجز إداري يُنفذ دون تواصل واضح. في كثير من الحالات، يجد الزبون نفسه أمام جواب جاهز: “لقد وافقت على الشروط”. النقرة التي كانت رمزاً للسهولة تتحول إلى دليل إدانة. العقد الإلكتروني الطويل، الذي يصعب فهمه حتى على المتخصصين، يصبح مرجعاً نهائياً، فيما يبقى المواطن وحيداً أمام منظومة قانونية وتقنية معقدة.

المشكلة هنا ليست في مبدأ الرقمنة ذاته، بل في اختلال ميزان القوة. فالبنك يمتلك الخبرة التقنية والفريق القانوني والبنية المعلوماتية، بينما الزبون يملك هاتفاً ورغبة في الاستفادة من خدمة عادية. حين يُطلب منه الضغط على “أوافق”، لا يكون في موقع تفاوض، بل في موقع قبول اضطراري. رفض الشروط يعني عملياً الخروج من المنظومة المالية الحديثة، وهو خيار غير واقعي في زمن أصبحت فيه المعاملات الأساسية مرتبطة بالحساب البنكي.

الأخطر أن بعض النزاعات تكشف عن غموض في العلاقة بين البنوك والإدارات العمومية، خاصة في حالات الحجز أو الاقتطاعات المرتبطة بقرارات إدارية أو جبائية. هنا يطرح سؤال الشفافية: هل يتلقى المواطن إشعاراً واضحاً ومسبقاً؟ هل يملك مساراً سريعاً وفعالاً للطعن؟ أم أن الرقمنة تُنفذ القرار بسرعة تفوق سرعة الإنصاف؟

لا يمكن إنكار أن التحول الرقمي جلب مزايا حقيقية: تسريع العمليات، تقليص الطوابير، توسيع الولوج إلى الخدمات. لكن الرقمنة ليست مجرد تطبيقات جميلة وواجهات سلسة؛ إنها منظومة مسؤولية. كلما زادت سرعة المعاملة، يجب أن تزيد سرعة آلية الحماية. كلما توسع الاعتماد على التوقيع الإلكتروني، يجب أن تتعزز الضمانات القانونية لفهم الشروط ومراجعتها.

في التجارب المقارنة، يُعتبر مبدأ “المسؤولية المشتركة” في الأمن الرقمي حجر الزاوية: الزبون مطالب بالحذر، نعم، لكن المؤسسة مطالبة أيضاً بتوفير أنظمة حماية فعالة، وتعويض عادل عند ثبوت الخلل، ومساطر طعن واضحة وسريعة. لا يمكن أن تتحول الرقمنة إلى وسيلة لتحويل كل مخاطرة تقنية إلى خطأ فردي.

المسألة في جوهرها أخلاقية بقدر ما هي قانونية. هل الهدف من الرقمنة تسهيل حياة المواطن، أم تقليص كلفة الخدمة على المؤسسة؟ هل يُنظر إلى الزبون كشريك في الثقة، أم كرقم في معادلة الربح؟ حين يشعر المواطن أن الشاشات كلها تقف ضده، وأن النقرة التي يسرت الخدمة تعقّد العدالة، تتآكل الثقة، وهي أخطر خسارة يمكن أن يتكبدها أي نظام مالي.

المغرب، كغيره من الدول، ماضٍ في تعميق التحول الرقمي. لكن نجاح هذا المسار لن يُقاس بعدد التطبيقات أو حجم المعاملات الإلكترونية، بل بقدرة المنظومة على حماية الأضعف فيها: المستخدم العادي. فالأموال التي تختفي بنقرة تحتاج إلى عدالة لا تختفي بالسرعة نفسها.

الرقمنة خيار استراتيجي لا رجعة فيه، لكن إن لم تُرافقه شفافية ومسؤولية ومراقبة فعالة، فقد يتحول من أداة تمكين إلى مصدر هشاشة. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً ليس تقنياً، بل مؤسساتياً: من يحمي المواطن حين تتحول الموافقة الرقمية إلى التزام لا يفهمه، وحين تصبح الشاشات أسرع من العدالة؟

طه رشيد

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى