الرباط بين لقب “عاصمة الاقتصاد الإفريقي” وامتحان الغرف المهنية

الرباط لا تراهن فقط على عمرانها الحديث ولا على رمزية برج محمد السادس كأعلى بناية في إفريقيا، بل تراهن على موقعها المستقبلي كمركز اقتصادي إفريقي محتمل. غير أن هذا الطموح، مهما بدا مغرياً، لن يتحقق بالشعارات ولا بالبنايات الشاهقة وحدها، بل بسياسات اقتصادية محلية متماسكة تقودها الغرف المهنية وتواكبها المجالس المنتخبة.
فالعاصمة التي نجحت في ضبط عمرانها، وتنظيم مجالها الحضري، وتطوير بنيتها الصحية والطرق والمساحات الخضراء، تجد نفسها اليوم أمام اختبار اقتصادي حقيقي: هل هي مستعدة فعلاً لتكون منصة للاقتصاد القاري؟
الغرف المهنية… الحلقة الصامتة
الغرف المهنية، باعتبارها مؤسسات دستورية تمثل قطاعات التجارة والصناعة والخدمات والصناعة التقليدية والصيد البحري، يفترض أن تكون في قلب أي مشروع استراتيجي يروم جعل الرباط قبلة للمستثمرين الأفارقة.
غير أن المتتبع للشأن المحلي يلاحظ غياب مبادرات واضحة من هذه الغرف منذ طرح فكرة احتضان مقر اقتصادي إفريقي بالمدينة قبل سنوات. لم تُسجل تحركات دبلوماسية اقتصادية معلنة، ولا برامج ترويجية مهيكلة، ولا رؤية استراتيجية تجعل من الفاعل المهني شريكاً مركزياً في المشروع.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يكفي تشييد برج رمزي لإقناع القارة بأن الرباط عاصمتها الاقتصادية المقبلة؟
بين التصدير الصارم والسوق الداخلي المنفلت
المفارقة التي تثير القلق تكمن في معايير الجودة. فالمغرب، ومن ضمنه الرباط، يخضع لرقابة صارمة حين يتعلق الأمر بالمنتجات الموجهة للتصدير، سواء نحو أوروبا أو نحو أسواق أخرى. لكن في السوق الداخلي، تبدو المعايير أقل صرامة في بعض القطاعات، ما يفتح الباب أمام تسويق سلع قد لا تستجيب دائماً لنفس معايير الجودة المفروضة خارجياً.
هذا التفاوت ينعكس مباشرة على صورة المدينة. فكيف يمكن لرباط تطمح لقيادة الاقتصاد الإفريقي أن تسمح بوجود اختلالات في منظومتها التجارية الداخلية؟ وكيف يمكن إقناع مستثمر إفريقي بجودة منظومة اقتصادية لا تحمي مستهلكها المحلي بنفس الصرامة التي تحمي بها المستهلك الخارجي؟
المسؤولية المشتركة
المسؤولية هنا لا تقع على الغرف المهنية وحدها، بل تشمل المجالس الجماعية والقطاعات الحكومية الوصية. غير أن الغرف، بحكم تمثيليتها للمهنيين، تظل الحلقة الأقرب لفرض ثقافة الجودة والمراقبة والدفاع عن المستهلك والمنتج في آن واحد.
الرباط المقبلة، إن أرادت فعلاً نيل لقب عاصمة الاقتصاد الإفريقي، مطالبة أولاً بحماية سمعتها التجارية داخلياً، وفرض مبدأ بسيط: الأولوية للجودة في السوق الوطنية قبل الأسواق الخارجية.
سؤال المرحلة
الرهان لم يعد عمرانياً ولا رمزياً، بل مؤسساتياً وتدبيرياً. فهل تستوعب الغرف المهنية والمجالس المنتخبة حجم مسؤوليتها في هذه اللحظة المفصلية؟
وهل تتحول من مؤسسات صامتة إلى فاعل اقتصادي حقيقي يقود التحول المحلي نحو الريادة القارية؟
الزمن الاقتصادي لا ينتظر، والمنافسة الإفريقية محتدمة، والفرص الكبرى لا تمنح إلا لمن يستعد لها جيداً.

