جهة مراكش-آسفي: مؤهلات كبيرة… وتنمية مؤجلة

في كل مرة تنعقد فيها دورات مجلس جهة مراكش-آسفي، ويجري التصويت بالإجماع على عشرات النقاط، يعود السؤال نفسه ليطرح بإلحاح: لماذا لا تنعكس كل هذه الاجتماعات والبرامج على حياة الناس بشكل ملموس؟ لماذا تظل جهة بهذا الحجم، وبهذه المؤهلات، عاجزة عن التحول إلى قاطرة حقيقية للتنمية؟
هذا السؤال ليس مجرد انطباع عابر، بل هو نتيجة مفارقة واضحة بين ما تملكه الجهة من إمكانيات طبيعية واقتصادية، وما تعيشه جماعاتها الترابية من هشاشة واختلالات. فجهة مراكش-آسفي ليست جهة فقيرة في الموارد، بل هي من أغنى الجهات المغربية من حيث التنوع والإمكانات. فيها فلاحة خصبة، وسواحل غنية، ومؤهلات بحرية ومينائية، وموارد طاقية ومعدنية، وموقع استراتيجي مهم يربط الداخل بالمحيط. ومع ذلك، لا تزال أجزاء واسعة منها تعيش مشاكل كان من المفروض أن تُحل منذ سنوات.
ما يزيد هذا التناقض وضوحًا هو أن الجهة لا تعاني فقط من ضعف في الاستثمار، بل من ضعف في طريقة التفكير التنموي نفسها. هناك شعور عام بأن المؤسسات تشتغل بمنطق “تدبير الملفات” أكثر مما تشتغل بمنطق “بناء المستقبل”. أي أننا أمام إدارة للأزمات، لا أمام صناعة للتنمية.
يكفي أن ننظر إلى الواقع القريب لندرك حجم الهوة. زلزال الحوز ما يزال يترك آثارًا ثقيلة على السكان والبنيات. فيضانات آسفي تفضح هشاشة التجهيزات الأساسية، خاصة في ما يتعلق بالبنية التحتية والتصريف. عدد من الجماعات القروية ما يزال يعاني من مشاكل في الطرق، والخدمات، والتنفيذ، والتتبع. وفي المقابل، تستمر الدورات العادية في مناقشة نقاط تبدو مهمة على الورق، لكنها لا تلامس دائمًا أولويات الناس اليومية بالقدر الكافي.
المشكل الحقيقي في جهة مراكش-آسفي ليس غياب الثروة، بل غياب التحويل الذكي لهذه الثروة إلى قيمة محلية. الفلاحة مثلًا، رغم قوتها، ما تزال في كثير من الحالات تنتج المادة الخام أكثر مما تنتج القيمة المضافة. وهذا يعني أن الجهة تزرع وتنتج، لكن أرباح التحويل والتصنيع والتسويق الكبير تذهب غالبًا إلى خارج المجال الجهوي. نفس الشيء يمكن قوله عن الصيد البحري، خاصة في آسفي، حيث توجد مؤهلات بحرية مهمة، لكن من دون منظومة قوية ومتكاملة لصناعات التحويل والتثمين.
أما المعادن والطاقة، فهما ملفان استراتيجيان بامتياز، لكن المواطن البسيط يتساءل دائمًا: أين يظهر أثر هذه الثروات في حياته اليومية؟ هل نراها في الطرق؟ في الشغل؟ في البنية الصحية؟ في المدارس؟ أم أنها تبقى مجرد أرقام في تقارير واستثمارات لا يشعر الناس بعائدها المباشر؟
ومن جهة أخرى، تعيش الجهة نوعًا من الاختلال الداخلي بين مراكش وباقي الأقاليم. مراكش تستقطب بطبيعة الحال جزءًا كبيرًا من الضوء والاستثمارات بحكم موقعها السياحي والرمزي. وهذا أمر مفهوم. لكن غير المفهوم هو أن يتحول هذا التركيز إلى نوع من عدم التوازن داخل الجهة، بحيث تبقى مناطق أخرى مثل آسفي والصويرة أو عدد من الجماعات الداخلية أقل استفادة، رغم ما تملكه من مؤهلات صناعية ومينائية ولوجستية مهمة.
التنمية الحقيقية لا يمكن أن تقوم على مدينة واحدة داخل جهة كاملة. لا يمكن لمراكش أن تزدهر وحدها بينما تستمر معاناة مجالات أخرى من ضعف البنية التحتية، وهشاشة التجهيزات، وضعف فرص الاستثمار المنتج. الجهة تحتاج إلى رؤية متوازنة، ترى في التنوع المجالي قوة، لا تفاوتًا دائمًا.
ولهذا، فإن النقاش اليوم يجب أن ينتقل من منطق المصادقات الإدارية إلى منطق الهندسة الترابية. ما معنى هذا؟ معناه أن الجهة تحتاج إلى رؤية استراتيجية تربط بين القطاعات بدل التعامل معها بشكل منفصل. الفلاحة وحدها لا تكفي، والصيد وحده لا يكفي، والميناء وحده لا يكفي. لكن حين نربط بين الفلاحة والصناعة الغذائية والميناء واللوجستيك، يمكن أن نخلق دورة اقتصادية قوية داخل الجهة نفسها.
السؤال الذي يطرحه كثيرون مشروع وبسيط: لماذا لا توجد أقطاب صناعية غذائية كبرى قرب آسفي، تستفيد من المنتوج الفلاحي القادم من الحوز والرحامنة ومناطق أخرى، ثم تُحوّله وتُصدّره عبر الميناء؟ لماذا لا يتحول الموقع الاستراتيجي للجهة من مجرد ممر للبضائع إلى قطب اقتصادي متكامل يصنع الثروة ويوزع أثرها على السكان؟
هذا النوع من الأسئلة هو ما يجب أن يكون في صلب النقاش الجهوي اليوم، لا أن يظل على هامش الدورات والبرامج.
كما أن المرحلة الحالية لا تحتمل منطق التدبير الاحتفالي. الناس لا تريد فقط تقارير جميلة أو بيانات رسمية مطمئنة. الناس تريد نتائج: سكنًا لائقًا للمتضررين، طرقًا سالكة، حماية من الفيضانات، فرص شغل، ومشاريع حقيقية تُحسن شروط العيش. وهذا يتطلب جرأة في ترتيب الأولويات، ووضوحًا في القرار، وربطًا فعليًا بين البرامج والنتائج.
بمعنى أوضح: الجهة ليست في حاجة فقط إلى المزيد من الاجتماعات، بل إلى قرارات شجاعة تخرجها من منطق التسيير اليومي إلى منطق البناء طويل المدى. تحتاج إلى عدالة مجالية داخلية، وإلى استثمار أقوى في البنية التحتية، وإلى تثمين حقيقي للموارد، وإلى آليات تنفيذ ومحاسبة تجعل كل مشروع قابلًا للقياس والتقييم.
في النهاية، جهة مراكش-آسفي لا ينقصها ما يكفي من المؤهلات. ما ينقصها هو التحول في العقلية: من عقلية تدبير الأزمات إلى عقلية صناعة التنمية. وهذا التحول ليس ترفًا سياسيًا ولا خطابًا نظريًا، بل شرط أساسي حتى لا تبقى الجهة سجينة تناقض مؤلم: ثروة كبيرة فوق الأرض وتحتها، وواقع تنموي لا يرقى إلى مستوى هذا الغنى.
فهل نواصل إدارة التناقض؟ أم نبدأ أخيرًا في تحويل المؤهلات إلى مستقبل يليق بالجهة وسكانها؟
طه رشيد

