إفتتاحية

أزمة أجور الصحافيين تعود إلى الواجهة: حين يتحول دعم الصحافة إلى مصدر هشاشة

عاد ملف تأخر صرف أجور الصحافيات والصحافيين إلى الواجهة من جديد، بعد بيان قوي للنقابة الوطنية للصحافة المغربية عبّرت فيه عن قلقها من استمرار الوضع، دون أي توضيح رسمي من الجهات المعنية. وضع يتكرر، وفق النقابة، منذ اعتماد الصيغة الاستثنائية لدعم الصحافة خلال جائحة كوفيد-19، والذي تحوّل من إجراء مؤقت إلى آلية دائمة تُنتج الارتباك وتُعمّق هشاشة العاملين بالقطاع.

اللافت في هذه الأزمة ليس فقط تأخر الأجور، بل الصمت الذي يحيط بها. فلا المقاولات الصحفية تقدّم توضيحات كافية، ولا الجهة المكلفة بصرف الدعم تبادر إلى شرح أسباب التأخير أو مآلاته. وفي هذا الفراغ، يجد الصحافيون أنفسهم مرة أخرى في مواجهة القلق، والالتزامات البنكية، والضغوط الاجتماعية، دون وضوح في الرؤية أو سقف زمني للحل.

النقابة الوطنية للصحافة المغربية كانت واضحة في تحميل المسؤولية القانونية للمقاولات الصحفية، باعتبارها المشغّل المباشر، مهما كانت صيغة الدعم المعتمدة. فالدعم العمومي، وفق هذا المنطق، لا يعفي المؤسسات من التزاماتها تجاه الأجراء، ولا يبرر تحويل الصحافيين إلى متلقين مباشرين للأجور من صندوق الدعم، في علاقة شغلية مشوّهة تفتقد إلى الاستقرار والوضوح.

المشكل أعمق من تأخير ظرفي. القطاع يعيش للسنة الخامسة على التوالي تحت نظام استثنائي كان يفترض تجاوزه بمجرد انقضاء الجائحة. غير أن غياب مقاربة تشاركية حقيقية، وعدم الحسم في نموذج دعم مستدام، جعلا هذا الاستثناء يتحول إلى قاعدة، مع ما يرافق ذلك من مساس بحقوق أساسية، مثل الأقدمية المهنية، والتعاملات البنكية، والاستفادة الطبيعية من الضمانات الاجتماعية.

وقد سبق للنقابة أن نبهت، خلال إعداد المرسوم المنظم للدعم، إلى مخاطر هذا المسار. صحيح أن بعض التحفظات تم الأخذ بها، مثل ربط الاستفادة من الدعم بالاتفاقية الجماعية، لكن مطالب أساسية ظلت معلقة، وعلى رأسها إشراك ممثلي المهنيين في لجنة الدعم. غياب هذا التمثيل، كما ترى النقابة، يضرب مبدأ الشفافية، ويتناقض مع توصيات المجلس الأعلى للحسابات التي دعت إلى تصحيح اختلالات الصيغة السابقة.

في جوهر النقاش، لا يتعلق الأمر فقط بالأجور المتأخرة، بل بسؤال نموذج: أي صحافة نريد؟ هل نريد قطاعًا قائمًا على دعم عمومي غير مؤطر بشكل واضح، أم إعلامًا مهنيًا مستقرًا، يقوم على مقاولات مسؤولة، واتفاقيات جماعية مُفعّلة، وعلاقة شغلية متوازنة؟ استمرار الصيغة الحالية، وفق النقابة، لا يخدم لا استقلالية الصحافة، ولا كرامة العاملين فيها.

التحذير الذي أطلقته النقابة لا يخلو من دلالات. الحديث عن اللجوء إلى أشكال احتجاجية قانونية، من وقفات وحمل الشارة وتوقف مؤقت عن العمل، يعكس درجة الاحتقان داخل القطاع. وهو احتقان لا يبدو معزولًا، بل مرتبطًا بتراكم سنوات من التدبير المؤقت، وتأجيل الإصلاحات البنيوية، وتغليب الحلول الترقيعية على الرؤية الشاملة.

اليوم، تجد الجهات الوصية نفسها أمام اختبار حقيقي. إما فتح حوار جدي يعيد الاعتبار للمقاربة التشاركية، ويُسرّع إخراج الدعم في إطار شفاف، ويُحصّن حقوق الصحافيين بأثر رجعي، أو الاستمرار في منطق الصمت، بما يحمله من مخاطر على الاستقرار الاجتماعي داخل قطاع يُفترض أن يشكل ركيزة من ركائز النقاش العمومي والديمقراطي.

أزمة الأجور في قطاع الصحافة ليست تقنية، ولا مالية فقط. إنها أزمة ثقة، وأزمة رؤية، وأزمة اختيار بين إعلام هشّ يعيش على الاستثناء، وإعلام مهني قوي يُدار بمنطق المسؤولية والمحاسبة.

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى