إفتتاحية

وهم القطيعة: لماذا تعيد النخب إنتاج البنية التي جاءت لتغييرها؟

في تاريخ المجتمعات التي توصف بالنامية أو المتعثرة، يتكرر مشهد يكاد يكون ثابتاً: لحظة أزمة تفتح الباب أمام نخب جديدة تعد بإحداث قطيعة مع الماضي، وتعلن بداية مرحلة إصلاح أو تحديث أو انتقال تاريخي. غير أن الزمن يكشف مفارقة لافتة؛ فبعد سنوات من التغيير المعلن، تبدو البنية الاجتماعية والسياسية وكأنها استعادت توازنها القديم، وإن في شكل مختلف.

لا يتعلق الأمر هنا بفشل أشخاص أو ضعف إرادة سياسية، بل بظاهرة أعمق ذات طبيعة سوسيولوجية. فالنخب التي تقود مشاريع التغيير لا تنشأ خارج المجتمع الذي تسعى إلى إصلاحه، بل تتكوّن داخل نفس الحقل الرمزي الذي يمنح السلطة معناها وحدودها. إنها تحمل، دون وعي كامل، التصورات ذاتها حول الشرعية والاستقرار والخوف من الفوضى.

 

حين تدخل المجتمعات لحظة تحول، تجد النخب نفسها أمام معادلة صعبة: كيف يمكن إحداث تغيير دون فقدان القبول الاجتماعي؟ ولأن الشرعية لا تُبنى في الفراغ، تلجأ هذه النخب إلى إعادة استعمال الرموز الأكثر رسوخاً في الوعي الجماعي، مثل الذاكرة التاريخية أو المرجعية الدينية أو خطاب الحفاظ على الاستقرار. وهنا يحدث ما يمكن تسميته بوهم القطيعة.

فالتحول لا يؤدي إلى تفكيك البنية الرمزية، بل إلى إعادة تأويلها. الإصلاح يصبح عملية إعادة تنظيم للنسق بدل الخروج منه. المجتمع يشعر بحدوث تغيير، بينما تستمر آليات الامتثال في العمل داخل صيغة جديدة أكثر حداثة في الشكل، لكنها مألوفة في الجوهر.

بهذا المعنى، لا تستمر السلطة فقط عبر القسر أو الإكراه، بل عبر قدرتها على الاندماج داخل منظومة المعنى الجماعي. فالاستقرار يتحول إلى قيمة أخلاقية عليا، والامتثال يصبح تموضعاً وجودياً يوفر الطمأنينة أكثر مما يعبر عن الخضوع.

إن لحظات القطيعة التاريخية لا تُنهي البنية، بل تدفعها إلى إعادة إنتاج نفسها عبر النخب ذاتها التي تعتقد أنها جاءت لتجاوزها. فالتغيير، في كثير من الأحيان، لا يكون نقيض الاستمرارية، بل أحد أشكالها الأكثر تطوراً.

هذا الفهم لا يدعو إلى إنكار إمكانية التحول، بل إلى إعادة التفكير في شروطه العميقة. فالتغيير الحقيقي لا يبدأ فقط بتبدل المؤسسات أو الوجوه، بل بتحول الأفق الرمزي الذي يحدد ما يعتبره المجتمع ممكناً أو مشروعاً أو آمناً.

ربما تكمن إحدى أعقد مفارقات التاريخ الاجتماعي في أن المجتمعات لا تقاوم التغيير دائماً، لكنها تعيد احتواءه داخل منطقها الخاص. وهكذا يصبح الإصلاح نفسه أحياناً الوسيلة الأكثر فعالية لاستمرار ما نعتقد أننا تجاوزناه.

حمدون القراص

0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى